كيف تغيرت صورة اليمن في الغرب؟

عندما أخذت طفلي إلى يومه الأول في مدرسته في لندن قبل إثني عشر عاماً ، اتسعت عيون مديرة المدرسة بالدهشة والفرح معاً لمجرد أن عرفت أن طفلي مولود في صنعاء ، وأننا من اليمن.

أخذتني المرأة الخمسينية حينذاك إلى خارطة "خاصة" لليمن فقط وضعتها على جدار مكتبها ، ومضت بقدر من التأثر توجز لي بعضاً من ذكرياتها عندما كانت تعمل لسنوات مع زوجها في عدن وتعز ، وتشير بإصبعها إلى مدن أخرى على الخارطة زارتها في مختلف أنحاء اليمن ، وتركت في ذاكرتها مشاهد وصورًا لم يمحها الزمن.

كانت سعادتها واضحة باستقبال أول تلميذ يمني في مدرستها يعيد لها شيئاً من تلك الذكريات.

أثارت هذه الواقعة أكثر من سؤال لدي عن أسباب احتفاء الانجليز بذكريات حياتهم في اليمن رغم النهاية المأساوية لوجودهم في عدن.

وطوال سنوات إقامتي وعملي الخمس عشرة في لندن فما من مرة التقيت فيها مثقفاً غربياً عرف أنني من اليمن إلاّ وكان اليمن حاضرًا بحضاراته في أحاديثنا ، البعض حدثني عن إقامته أو عمله أو زياراته لليمن وتحديداً الإنجليز والفرنسيون والألمان والإيطاليون ، فيما كان لليمن صورة جديرة بالإحترام في أذهان غربيين عديدين غيرهم.

كان كثير في الغرب يعتبرون اليمن وجهة مفضلة للسياحة "الثقافية" التي نشطت لسنوات عدة ، فقد سار في شوارع صنعاء القديمة مثلاً زعماء كبار ، ومستشرقون مهمون وسواهم ، بل لقد اعتبر الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر أن "صنعاءْ القديمة أكبر متحف حيٍّ في العالم يمكنك التجوال فيه بسيارة" .

أتذكر أن معظم زوار اليمن حينذاك كانوا نخبًا من المثقفين ، رافقت بعضهم ، أو التقيتهم كانوا يهدونني في ختام زياراتهم كل الكتب والمطبوعات التي جلبوها معهم لقراءتها خلال رحلاتهم ، وقد كانت عناوين مهمة بين روايات ، وقصص ، وتقارير بحثية ، وخرائط لمواقع أثرية في اليمن عرفت منها أكثر مما عرفته من المصادر اليمنية.

تعرض بعض زوار اليمن الغربيين لجرائم اختطاف من قبل رجال قبائل بغرض استخدامهم كأدوات ضغط على الحكومة وليس لاستهدافهم بعينهم ، ولكن لإجبار الحكومة على الاستجابة لبعض مطالبهم.

دفع العديد من أؤلئك الزوار حياتهم خلال محاولات تحريرهم غير المهنية تفاوضيًا أو الاحترافية أمنياً في مثل هذه الأزمات ، فقد كان الأهم لدى الحكومة هو أن تثبت أنها حازمة وفعالة في حماية ضيوف البلاد.

والغريب أن ذلك لم يمنع بعضاً ممن تعرضوا لهذه التجربة القاسية من العودة إلى اليمن ، بل إن بعضهم احتفظ باتصالات مع خاطفيه ، كما عمل على جمع التبرعات وإرسالها إليهم لمساعدتهم على تحسين الخدمات الأساسية في مناطقهم.

لكن صورة اليمن "الحضارية" أخذت لاحقاً في التبدل لدى بعض الغربيين بعدما تحولت مناطق كثيرة في كل البلاد إلى ملاذات لجماعات الإرهاب الدينية المتشددة ، وكذلك عندما غرقت في ظواهر الفساد وسوء الإدارة ، وتزايد المطالبات في جنوب البلاد للانفصال عن شمالها.

في "ليفربول" حيث تعيش واحدة من أكبر تجمعات المهاجرين من اليمن سألت مهاجراً من جنوب اليمن لماذا يتعايش الجنوبيون مع أشقائهم الشماليين في بريطانيا ولا يستطيعون ذلك في بلادهم؟ كان رده أن "علاقات الجميع هنا محكومة بالمساواة وحكم القانون ، لكن هذا الأمر منعدم في اليمن ويعاني منه الجميع بما في ذلك غالبية الشماليين".

لكن تعايش اليمنيين من جنوب وشمال اليمن في الغرب تغير أيضًا في وقت لاحق ، وأضاف بعداً سلبياً آخر إلى صورة بلادهم.

غير أن كوارث الحرب الدائرة في اليمن منذ ستة أعوام أخذت تحمل بعض هؤلاء على مراجعة علاقاتهم ببعضهم ، إلاّ أن الانطباع السائد في الغرب لم يتحسن كما ينبغي.

النقطة الأهم في الأمر أن اليمن كان قد ظل لعقود طويلة في التصور الاستراتيجي للأمن القومي لدى الغرب - الأمريكي البريطاني خصوصاً - جزءاً من المحيط الحيوي لحلفائه في دول الخليج العربية الرابضة على بحار من النفط.
بقي الأمر كذلك رغم محاولة العديد من الزعماء الذين توالوا على حكم اليمن الفكاك من هذا التنميط "السياسي" والدخول في علاقة تحالفية مع الغرب نفسه.

مع هذا ظلت علاقات اليمن بالغرب تعيش حالة نسبية من الاستقرار ، إلاّ أن إندلاع الصراع المسلح بين الأطراف اليمنية في السنوات الأخيرة جر معه تدخلاً إقليميا مرتبكاً أفاد منه بعض دول الغرب ببيع صفقات ضخمة من السلاح ، فيما تعرضت وحدة البلاد لتمزق إجتماعي خطير ، ولتفكك غير مسبوق في الجغرافيا السياسية لم تُجْدِ معهما نفعاً "جهود" كل الأطراف الخليجية المتدخله تحديداً لاحتوائهما.

ومع أن حكومات ووكالات إغاثية غربية أسهمت مالياً في دعم خطط الأمم المتحدة للحد من تدهور الوضع الانساني إلاّ أن الاستنتاج الذي خلص إليه كثيرون في الغرب هو أن الفقر والأمية ليسا وحدهما السبب في كل ما يعانيه اليمن اليوم ، إذ يرجع البعض أسباب المأساة اليمنية إلى فشل الأطراف اليمنية في إدارة حوار جاد للخروج من أزمتها ، ثم الانخراط في صراع مسلح ، وبعد ذلك في استدعاء تدخل قوى إقليمية لا يوجد لدينا تصور واضحٌ لأهداف تدخلها ، وبالتالي في إخفاق اليمنيين بعد ذلك في أخذ العبرة من تبعات استمرار النزاع ، وتنفيذ ما تم التوصل إليه من اتفاقات لإنهاء الصراع ، الأمر الذي بات يلقي بظلال كئيبة على صورة اليمن في أذهان كثير من المؤسسات وصناع القرار في الغرب.






*نقلاً عن الكاتب من مواقع التواصل الإجتماعي

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك