سيم الهوى ممدود من صيره إلى سمعون | حضرموت.. البعد الثالث (2)

لقد سبق الوجود البريطاني في عدن محاولات أوربية للنزول في شواطئ حضرموت، وأبرزها ما عرف في التاريخ بالاحتلال البرتغالي للشحر، وبعض الدول الحضرمية حاولت الاتصال بالسلطنة العثمانية لتفادي وصد موجات الغزو الغربي، بحسبهم- العثمانيون- خلافة اسلامية ولهم وجود عسكري وسياسي في اليمن والحجاز، يمكنهم من النجدة بشكل أسرع.

وهذه الأطماع الاستعمارية ترجع للأهمية الجيوسياسية للمنطقة كما أسلفنا في الحلقة الاولى من هذه المقالة(حضرموت البعد الثالث).

بنزول الإنجليز في عدن وتمكين قاعدتهم هناك، أصبحت حضرموت وشرق اليمن في قلب المجال الحيوي للمصالح الاستعمارية- الهند وشرق افريقيا وفارس وساحل عمان والخليج العربي- بل إن المهاجرين الحضارم في جزر الهند الشرقية كانوا محل اهتمام الإدارة الاستعمارية ومراقبة سلوكهم وموقفهم من المستعمر الجديد وانعكاس ذلك على موطنهم الأصلي بحضرموت خاصة وأنهم قد انخرطوا بشكل كبير في حركة مقاومة الإستعمار الهولندي في الارخبيل الإندونيسي.

ولهم جالية كبيرة في الهند اصبحت لاحقاً – بنفوذها وأموالها- عامل رئيس لتأجيج الصراع على السلطة في حضرموت، ومستعمرة عدن رُبطت بالإدارة البريطانية في بومباي مباشرةَ. لكن اتصال حضرموت بعدن أبعد من هذا التاريخ بكثير، فكاتب تاريخ (ثغر عدن) الطيب بامخرمه عاش في القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي. والحضارم اجتازوا البحر الأحمر للبر الافريقي من زمن قديم ولا شك أن عدن كانت محطة مهمة في هذه التغريبة الحضرمية؛ غير أن مانحن بصدده من أثر لهكذا علاقات في صياغة تصور مشترك لمستقبل اليمن الحديث يجعلنا نركز أكثر على شبكة العلاقات ذات الصلة الوثيقة والمباشرة ببداية تشكل الدولة القطرية في اليمن الحديث.

وفّرت الإدارة الاستعمارية بعدن مناخاً لحركة تجارية واسعة من خلال قطاع الخدمات الأساسية في المصافي والمطار والميناء؛ فوجد الحضارم وجهة جديدة للاستقرار والاستثمار. وساهمت موجات النزوح من شرق افريقيا هروبا من تفشي العنف العنصري ضدهم كوافدين – بعض الدول العربية وقفت خلف هذه الأعمال العدائية ضد الحضارم – في مضاعفة أعدادهم بعدن، وبرزت منهم بيوت تجارية مرموقة على مستوى اليمن والجزيرة والخليج.

وكان الحضارم وأبناء يافع والحجرية أكبر وأنشط المجموعات اليمنية بعدن، وشكلوا مع رجال الإدارة والأعمال الهنود وبقية الجاليات الأجنبية مجتمع عدن المدني المتجانس إلى اليوم؛ غير ان اكتساب الجنسية العدنية مؤخرا صار متعسرا على الحضارم القادمين من مقاطعات حضرموت والمشرق كما هو حال سائر اليمنيين من بقية المحميات او القادمين من أراضي الدولة المتوكلية في الشمال.

هذه الإجراءات الاستعمارية التعسفية ضد اليمنيين من خارج عدن، خلقت لديهم مظلومية مشتركة وشعور مرير بالغبن داخل وطنهم، تخلقت من رحم هذه المعاناة قضية مشتركة – لا يعني أن هذه الحالة وحدها تكفي لتفجير الثورة لكنها صنعت نقطة فارقة لمفهوم السيادة الوطنية- جديرة بالنضال والكفاح من أجلها.

لذلك يرصد المراقب وضوح أهداف الحركة الوطنية اليمنية في عدن منذ لحظة تخلقها، من حيث أنها معبرة عن تطلعات كل اليمنيين، وانخرط في صفوفها اليمنيون جميعا دون أي اعتبار للبعد المناطقي او الجهوي.

وفي الخارج انتسب وتنظم الطلبة اليمنيون في الحركات القومية والإسلامية في بيروت وبغداد ودمشق والقاهرة والخرطوم وعواصم الكتلة الشرقية لاحقاً، بصفتهم يمنيون ويمنيون فقط.

وجد الحضارم أنفسهم في طليعة الحركة الوطنية بعدن بل روادها باختلاف تياراتها السياسية ومشاربها الفكرية - الحبشي والصافي والجفري وعلي عقيل بن يحي وباقيس وثلاثي الباذيب وباسنيد وباسندوه والبيض والعطاس وخالد عبدالعزيز وغيرهم كثير- ورغم انه كانت هناك إرهاصات ووعود بريطانية باستقلال سلطنات حضرموت مطلع العام 1968م، إلا أن رجال (الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل) حسموا مستقبلها مع الجمهورية اليمنية الجنوبية الفتية من لحظة سقوط مدينة المكلا في أيديهم قُبيل إعلان الاستقلال الوطني من عدن رسميا في 30 نوفمبر 1967م. ومُد السيم من صيرة الى سمعون، وانتظمت فيه ست وحدات ادارية اخذت حضرموت رقم الكابينة الخامسة على الترتيب الجغرافي...يتبع

المصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك