الاقتصاد أم البشر؟ كورونا يضع ترامب أمام خيارين كلاهما مرّ، لكنه قرر بالفعل

الاقتصاد أم البشر؟ كورونا يضع ترامب أمام خيارين كلاهما مرّ، لكنه قرر بالفعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - رويترز

"كل يغني على ليلاه"، هذا المثل العربي ينطبق على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشدة هذه الأيام، حيث حشره فيروس كورونا في زاوية ضيقة؛ هل يتخذ الإجراءات الحتمية لإنقاذ الأرواح، أم يقلص تلك الإجراءات لينقذ ورقته الرابحة في عام الانتخابات وهو الاقتصاد؟

ماذا قال ترامب تحديداً؟

يوم الأحد 22 مارس/آذار، غرّد ترامب قائلاً: "لا يمكننا أن نسمح أن يكون العلاج أسوأ من المشكلة نفسها. في نهاية فترة الـ15 يوماً، سنتخذ قراراً بشأن أي طريق نريد أن نسلكه!".

ترامب استخدم صيغة الحروب الكبيرة في التغريدة، كتأكيد على الرسالة، وتبع ذلك أمس الإثنين 23 مارس/آذار بتصريح يشير إلى أنه "قد اتخذ القرار بالفعل"، حيث قال إنه يدرس كيفية إعادة فتح الاقتصاد الأمريكي بعد انتهاء فترة الإغلاق 15 يوماً في الأسبوع المقبل، مضيفاً في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض: "أمريكا ستفتح مرة أخرى وبسرعة أمام النشاط التجاري".

الدولار مقابل الوفيات

تصريحات ترامب وقراره يشير إلى المأزق الذي يواجهه ساكن البيت الأبيض بسبب وباء كورونا، وقد ركزت وسائل الإعلام الأمريكية اليوم الثلاثاء 24 مارس/آذار على تلك التصريحات، التي تأتي في وقت ينتشر فيها الفيروس شديد العدوى بشكل سريع واستعداد المستشفيات في جميع الولايات الأمريكية لموجة من حالات الوفاة المرتبطة بالفيروس، مع ارتفاع الإصابات إلى أكثر من 46 ألفاً والوفيات إلى أكثر من 2400.

"سي إن إن" نشرت تحليلاً لموقف ترامب بعنوان: "الدولار مقابل الوفيات: خيار مثير للغثيان تسبب فيه فيروس كورونا"، بدأ بسؤال: كم حياة بشرية يساويها الاقتصاد العالمي؟ هذا ليس تبسيطاً مخلاً، بل سؤال مفتوح أثاره الرئيس ترامب نفسه.

ترامب لا يطيق الانتظار أكثر من ذلك حتى يقلّص أو يلغي إجراءات التباعد الاجتماعي في أسرع وقت ممكن، ويتساءل بشكل علني إن كان الأمر يستحق كل تلك الضجة، الأمر هنا مقصود به وباء كورونا الذي أصاب نحو 290 ألف شخص، وأودى بحياة أكثر من 16750 شخص حول العالم.

ولا تحتاج تغريدة ترامب للتفسير؛ فالمرض أو المشكلة هي وباء كورونا الخارج عن السيطرة تماماً ويهدد حياة نسبة ليست قليلة من السكان، إضافة لأصحاب أمراض أخرى مهددون بفقد حياتهم بسبب الضغط غير المحتمل الذي تعاني منه المستشفيات بسبب الفيروس.

أما العلاج فهو الإغلاق الاقتصادي الذي يتسبب في معضلة قد تكون وطأتها أكبر من الكساد الكبير (في ثلاثينات القرن الماضي). فنصيحة "خليك في البيت" تهدف إلى إبطاء انتشار الفيروس أملاً في التوصل إلى لقاح أو مصل لمواجهته، لكن هذا العلاج تسبب في فقدان وظائف كثيرة بالفعل ويهدد بانتشار بطالة جماعية.

الدولار مقابل الوفيات: نهاية تغريدة ترامب تحتوي على معادلة بشعة: كم حياة بشرية يساويها الاقتصاد؟ وهنا تجدر الإشارة إلى دراسة اقتصادية أعدها الزوجان الخبيران أنغوس وآن ديتون بعنوان: "اليأس الاقتصادي يقتل الناس أيضاً".

هل قرار ترامب مبرر إذاً؟

منظمة الصحة العالمية في بيان لها أمس قالت إن الولايات المتحدة الأمريكية هي بؤرة التفشي القادمة لوباء كورونا، والنسق التصاعدي للإصابة هناك يؤكد ذلك، والأطباء في ولاية نيويورك الكبرى يشبهون الوباء بأنه "تشيرنوبيل الولاية"، في إشارة للتسرب النووي الأسوأ على الإطلاق في التاريخ الحديث، لكن ترامب يبدو أكثر انشغالاً بإنقاذ الاقتصاد في عام الانتخابات.

حكام الولايات الأمريكية يفضلون الإغلاق وإنقاذ الأرواح، وانضمت ولاية ميريلاند لتلك القائمة أمس الإثنين، كما حذر الجراح العام في الولايات المتحدة من أن تفشي الوباء المعروف علمياً بـ"كوفيد-19″ سيكون أسوأ في الأيام والأسابيع القادمة، وسيكون على الأمريكيين أن يختاروا بين الاقتصاد أو النجاة من الوباء.

وفي ناحية إنقاذ الاقتصاد، فشل الكونغرس مرة أخرى في تمرير حزمة معونات ضخمة طلبها ترامب لإنعاش الاقتصاد ومنعه من الانهيار.

مستشفيات نيويورك على بعد أسبوع من كارثة محققة / رويترز

عمدة مدينة نيويورك بيل دي بالسيو قال تعليقاً على تغريدة ترامب إن "تقليص التباعد الاجتماعي سيقتل الناس"، مضيفاً: " لا أعتقد أن هذا قرار صائب"، محذراً من أن نظام الرعاية الصحية يمكن أن يصبح غير قادرٍ على أداء عمله وينهار تماماً تحت وطأة تفشي الوباء.

إنقاذ الأرواح أولاً، لكن ترامب غير مقتنع

الواضح الآن أن "إنقاذ الأرواح هو الأولوية للجميع" باستثناء ترامب نفسه الذي غرّد عشرات المرات حول أهمية عدم الانسياق وراء الأطباء والعلماء، مروّجاً لوجود علاج للفيروس اعتماداً على "حدسه القوي بشأنه"، وعندما عارضه مراسل "سي إن إن" في البيت الأبيض، جون أكوستا، على أساس أن ذلك كلام غير علمي، انفعل ترامب واتهم المراسل بنشر الفزع بين الناس.

لكن ترامب يجد مَن يدافع عن وجهة نظره، حيث شكك السيناتور الجمهوري رون جونسون الأسبوع الماضي في جدوى الإغلاق، على أساس أن الناس يموتون في حوادث المرور لكنْ لا أحد يطالب بإغلاق الطرق.

هذا المنطق دفع الدكتور أنطوني فوتشي، أكبر خبراء الأمراض المعدية في الولايات المتحدة، للخروج علناً للإشارة إلى أن البديل عن الإغلاق هو وفاة الكثيرين، مضيفاً: "لا أعتقد أن أي شخص يمكنه القول وضميره مستريح: لماذا لا نترك الوباء يأخذ مجراه وندع نسبة من الناس تموت؟!".


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك