خواطر متفرقة من زمن كورونا

لأن "كورونا" هو سيد الموقف على مستوى العالم، فقد صار من المستحيل على الكاتب أو المدوّن أو المغرّد أن يتجاوزه، فأي حديث سواه يغدو هامشيا؛ هو الذي واجه البشرية جمعاء، وحقق عليها انتصارات مهمة، مع أن نهايته كـ"فيروس" تبدو معروفة، وفق سيرة أسلافه.

كان العالم يعيش لحظة انتقال تاريخية في الطريق إلى موازين القوى الجديدة. وكان إقليمنا يغلي بين مطرقة الثورة المضادة وسندان مشروع إيران للتمدد المذهبي؛ أو العكس.

هنا جاء "كورونا"، ومعه انهيار أسعار النفط (له صلة بالأمر)، ليضفي مزيدا الفوضى والإثارة على مشهد متفجر.

***

لا يمكن الحديث عن كورونا دون أن نبدأ بتفسير القضية، وهنا، وكما هي العادة في هكذا أحداث، تحضر نظرية المؤامرة كقدر لا بد منه، وستطاردك بأشكال شتى، مع أن لكل طرف مؤامرته الخاصة.

ولما كان الخطاب السياسي والإعلامي الروسي، وكذلك الصيني إلى حد ما ميالا للتهويل ولا يحترم عقول الناس، فقد منح أصحاب نظرية المؤامرة مادة جيدة.

حدث ذلك حتى قبل أن يخرج مسؤول حكومي صيني متحدثا عن دور أمريكي محتمل في نشر "الفيروس"، وبالطبع من أجل استهداف الصين، بوصفها المنافس الأكبر لأمريكا على مستوى العالم.

كنا ضد النظرية منذ البداية، وحتى قبل أن ينتشر "الفيروس" خارج الصين، ولكن انتشاره، والكلفة الأكبر التي دفعتها دول كبرى جراء ذلك، ما لبث أن ضرب النظرية، مع أن كثيرين لا زالوا متشبثين بها، متجاهلين أن أسلاف "كورونا"  لم يظهروا بفعل فاعل، في وقت كانت المؤامرة فيه أكثر سهولة بكثير من هذه الأيام.

ولكن من أين جاء؟ هذا سؤال تصعب الإجابة عليه، وإن مال خبراء إلى صلة ذلك بحيوانات معينة يتعامل معها الصينيون؛ ذبحا أو قتلا وأكلا، فيما ذهب آخرون إلى أنه تسرّب من معامل صينية، لكن المؤكد أنه لم يظهر بقرار من الصينيين، فضلا عن أن يكون قد ظهر بقرار من سواهم.

ولو كان الأمر كذلك، فما كان للمنظومة الدولية أن تتردد في كشف الأمر، لا سيما بعد أن أصاب "الفيروس" سائر البشرية.

***

الأزمة ما تزال في بدايتها، ومن الصعب الجزم بما إذا كان عدد ضحايا "كورونا" المباشرين، أعني الوفيات، سيتجاوز الحالتين الأشهر والأكبر تاريخيا، وهما: "الموت الأسود" أو الطاعون ما بين 1347 و1351، والذي توفي بسببه ما بين ثلث إلى نصف سكان أوروبا (قيل 80 مليون شخص)، ثم الانفلونزا الإسبانية (1918)، والتي أودت بحياة 50 مليونا من البشر (30 وفق تقديرات أخرى)، مع العلم أن الحوادث الأخرى الأقل شأنا من ذلك كثيرة في التاريخ، دون أن يتم تجاهل دلالات الأرقام في كل حالة، تبعا لعدد سكان الدول وعدد سكان العالم في كل مرحلة.

على أن المصائب التي جرّها "كورونا" على العالم، وبصرف النظر عن عدد قتلاه، تبدو أكبر بكثير من كل أسلافه السابقين. حدث ذلك بسبب طبيعة المرحلة التي جاء فيها، ليس من زاوية عدد سكان العالم وحسب، بل من زاوية الاقتصاد ومنظومة العولمة والثراء السائدة، بجانب طبيعة المواصلات والاتصالات.

كل ذلك جعل حجم الدمار الذي أوقعه بالبشرية هائلا، ولن يتم تقديره على نحو دقيق إلا في النهاية، لكن المؤكد أن الخسائر ستدخل خانة التريليونات، وليس عشرات أو مئات المليارات وحسب.

لقد شاهد العالم سقوط البورصات على نحو مرعب، مع أن البعض قد يجادل في أن لانهيار أسعار النفط صلة بذلك، في تجاهل لحقيقة أن لكورونا أيضا صلة بذلك الانهيار أيضا.

كما تابع ما خسرته مختلف الشركات، وما أصاب الدول ذاتها من خسائر مرعبة جراء إجراءات المواجهة مع "الفيروس" الذي تميز عن أسلافه بسرعة وسهولة الانتشار، وبالقدرة على الاختفاء قبل ظهور الأعراض.

***

الشفافية في التعامل مع كورونا مسألة لا يمكن المرور عليها، فالدول الشمولية تعاملت مع الأمر بمنطق إخفاء الحقائق، وفي المقدمة الصين وإيران وسوريا ومصر، وسواها من الدول الشمولية، على تفاوت بين دولة وأخرى.

***

جدل المساجد وإغلاقها حضر بقوة في سياق كورونا. فالغالبية الساحقة من العلماء والمجامع، أيدوا الإغلاق، فيما شنّ آخرون حملة ضد ذلك، وبالغوا في الهجاء. مؤيدو الإغلاق اعتبروا أن حفظ النفوس هو الأولى، لأن الدين محفوظ، ولن يتأثر بإغلاق المساجد لمدة معينة، والشواهد على ذلك متوفرة في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة.

لكن ذلك لا يغني عن القول إن الكثير من الحزن قد أصاب الناس بسبب هذا الإجراء رغم تأييدهم له، لا سيما تلك الفئة العريضة من الناس الذين ارتبطت حياتهم وأرواحهم بالمساجد.

***

يتحدث الشاب عن كورونا؛ فيهوّن الأمر قائلا إنه لا يقتل إلا من هم فوق الستين. يظن أن ستينه بعيدة، وأن من بلغها عاش طويلا، فيما لم تكن غير رحلة سريعة عابرة. حياة وصفها القرآن الكريم بـ"متاع الغرور". ووصفها نبينا بالقول: "ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها".

***

مشاهد صراع الناس على الظفر بالمواد الغذائية من المتاجر في أمريكا وأوروبا وإسرائيل، كانت أسوأ منها في دول "عالمثالثية" دأب أهلها على هجاء أنفسهم، ومقارنتها بالآخرين.

الإنسان هو الإنسان بضعفه وهشاشته؛ إن كان غربيا أم شرقيا. الفرق أن ديارنا تمتاز بقدر أكبر من التكافل الاجتماعي الذي يحميها في أوقات من هذا النوع.

عربي 21


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك