عن النسخة المترجمة من فيلم "الغداء الأخير"

بعد أقل من عام على صدور الفيلم الإستقصائي المثير للجدل"الغداء الأخير"والذي يتناول قصة اغتيال الرئيس اليمني إبراهيم الحمدي، صدرت قبل أيام النسخة الإنجليزية منه، هذا الحدث يبدو نوعيًا بالنسبة للصحافة الإستقصائية اليمنية، إذ من النادر جدًا أن تترجم أعمال إستقصائية تلفزيونية تتعلق بقضايا يمنية وحتى على المستوى العربي تبدو عملية ترجمة هذا النوع من الأعمال شحيحة ونادرة.

أمام حالة الفقر هذه، تبدو لنا ترجمة فيلم "الغداء الأخير" إضافة جيدة لعالم الصحافة اليمنية المترجمة، حيث لم يكتفِ معدو الفيلم بمخاطبة المجتمع اليمني أو العربي فحسب، بل حرصوا على تصدير نسخة منه بلغة أخرى، ليتمكنوا من مخاطبة جمهور مختلف وبالأساس المجتمع الغربي وإطلاعهم على قصة صادمة تتناول حياة أحد زعماء العالم الثالث وقائد مسيرة نهضوية أجهضت في بواكيرها.

وإلى جانب أن فعل الترجمة بحد ذاته مهم للغاية، إلا أن موضوع الفيلم المركزي يجعله أكثر أهمية، وتزداد أهميته بما تحويه قصة الفيلم من خيوط متشابكة تسهم في تشكيل صورة ذهنية جيدة للجمهور الغربي فيما يخص طبيعة الحياة السياسية في اليمن والأطراف الفاعلة سلبًا وإيجابًا في حياة هذه الدولة التي لا يكاد يعرفها الكثير من شعوب العالم المتقدم ولا يسمع عنها سوى القليل منهم.

ولعل إحدى المفارقات المؤسفة هي أن شعوب المجتمعات العربية تعرف أوضاع الدول المتقدمة، أكثر من معرفة شعوب المجتمعات المتقدمة عن الأوضاع الحقيقية في دول العالم الثالث، سواءً العربية منها أو غير العربية.

أولًا، لأن غالبية مواطني الدول المتقدمة منهمكون بحياتهم الخاصة، والسبب الثاني والأهم أن مواطني المجتمعات الغربية لا يعرفون عنّا سوى تلك الصور النمطية التي تتولى المؤسسات الإعلامية الغربية صناعتها، ومن منظور رؤيتهم المختزلة والمشوشة عن الأوضاع في بلداننا.

من هذا المنطلق تكمن أهمية ترجمة المواد الصحفية أو الإعلامية العربية تلك المُنتجة بعيون ذاتية، تتناول قضايانا وتخاطب المجتمعات الغربية بلغتهم، حيث تلعب الأعمال المترجمة الدور الأبرز في تشكيل الصورة الذهنية للرأي العام الغربي عما يحدث في بلداننا، خصوصًا مع ندرة المؤسسات الصحفية العربية والموجهة لمخاطبة المجتمعات الغربية ونقل الواقع العربي كما نراه نحن لا كما يروننا هم.

من هذا المنطلق يمكن القول إن ترجمة فيلم "الغداء الأخير" خطوة مهمة يتوجب تعزيزها ومواصلتها لمراكمة الإنجازات في حقل الترجمة، ومنح هذا الجانب إهتمام دائم، حيث فعل الترجمة يمثل نافذة كاشفة تفتح عيون الرأي العام الغربي حول طبيعة الأوضاع في بلداننا وتسهم في مراكمة وعي جيد يغير الصورة النمطية عن بلادنا ويدفع الشارع الغربي لتبني مواقف صحيحة تجاه قضايا الشعوب.

في هذا السياق تأتي الأهمية المركزية العامة لترجمة الأعمال الصحفية العربية، وفي سياق أكثر خصوصية تأتي ترجمة فيلم "الغداء الأخير" كواحد من أهم الأعمال الأستقصائية المتعلقة بالحياة السياسية اليمنية، إن لم يكن أهم عمل صحفي إستقصائي ومرئي يتناول واحدة من أكثر قصص التأريخ اليمني الحديث إثارة للجدل والصدمة معًا.

وتزداد أهمية الفيلم بنسخته الإنجليزية كونه بث في واحدة من أهم المحطات العربية التي تتمتع بنفوذ جيد في المجتمعات الغربية، على الأقل من بين القنوات العربية المتحدثة بالإنجليزية بشكل عام.

وفي هذا السياق، أتذكر عبارة لوزيرة الخارجية الأمريكية في فترة أوباما، في خطاب لها أمام الكونجرس كانت تقول: شىنا أم أبينا "الجزيرة" تغزو العالم..هذه العبارة تكشف نفوذ الجزيرة المتصاعد هناك، وكم هو مهم لنا مخاطبة المجتمعات الغربية بلغتهم وبمواد صحفية من إنتاجنا نحن وعدم الإكتفاء بالصورة التي تصدرها المؤسسات الصحفية والإعلامية الغربية عنّا.

من هذه الزواية الأخرى والمتعلقة بحضور الجزيرة هناك، تتضاعف أهمية ترجمة فيلم "الغداء الأخير" كعمل إستقصائي مهم يتناول قضية حساسة في دولة تعد واحدة من أكثر دول العالم الثالث التهابًا حيث البلاد مسرحًا تتناهشه قوى إقليمية ودولية كثيرة منذ زمن وتسهم بشكل سلبي في إعاقة أي محاولات للنهوض، ما يكشف للرأي العام الغربي حقيقة أن أسباب تخلف المجتمعات العربية لا يعود لجينات بيلوجية حتمية كما تروج لها بعض الرؤى الغربية الخرافية ولا حتى أسباب موضوعية وذاتية تتعلق بطبيعة مجتمعاتنا فحسب، فجوار هذه الأخيرة ثمة دور سلبي يتعلق بالتدخلات الخارجية السلبية في مجتمعاتنا وفي مقدماتها الدول الغربية وسياساتها المغذية للحروب والنزاعات هنا ودعم طرف لتقويض الأخر وما مقتل الحمدي سوى حلقة في مسلسل تواطؤات خارجية تعبث بأحلام الشعوب العربية وتطلعاتها للحرية والاستقلال السياسي والنهوض الشامل.

أخيرًا: من الواضح أن فيلم الغداء الأخير يعد من الأعمال الاستقصائية المركزية للصحفي جمال المليكي، ولا تكمن أهميته في تناوله لشخصية ذات رمزية دلالية مهمة في حياة اليمنيين فحسب، بل أيضًا في طبيعة العمل ذو المستوى المهني والفني العالي والحدوى القصوى للزوايا التي تمكن الصحفي من الوصول إليها في إطار توثيقه للقصة، لجانب نشاط الصحفي الدؤوب في توسيع دائرة الجمهور الذي يصل إليه الفيلم وحرصه على ترجمته، الأمر الذي يعد مساهمة في حراسة السيرة الذاتية لواحد من أعظم الزعماء المثاليين في حياة الشعب اليمني وإعادة نفض الذاكرة لتوثيق قصته خالقًا بذلك حياة جديدة له، سواء في أوساط الجيل الذي لم يعايش حقبة الرئيس الحمدي وكل ما يعرفه عنه هو أحاديث عمومية ومتفرقة تناقلها عبر الجيل السابق، أو في تصدير هذه القصة للرأي العام الغربي، ما جعل عملًا كهذا مادة نوعية مستحقة للتقدير واقتناصًا ذكيًا لموضوع مركزي يحسب للصحفي المشتغل عليه ويضاف لرصيده المهني المتميز في هذا الجانب.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك