"نهم".. كمقدمة دموية لتسوية دولية!

 لا يمكن فهم ما يجري في "نهم" بعيداً عما يجري في مأرب وما جرى في عدن بل وما حصل في الحديدة، هذه الأحداث؛ المتقاربة منها والمتباعدة، لها في النهاية سياق واحد مرتبط بـ"عقدة  الشرعية"، التي أصبحت خصم مشتركاً بين التحالف وبين مليشيا الحوثي، مع الاختلاف في مستوى رغبة الطرفين في تحديد مستقبلها، تريد مليشيا الحوثي إنهاء الشرعية بينما يريد التحالف إضعافها في بقية مناطق قوتها، ليتدخل الطرف الدولي الذي يرغب بوصول الجميع إلى نقطة ضعف مشتركة، يفرض من خلالها خيارات تسوية أممية على حدود صنعاء، شبيهه بتسوية ستوكهولم.

 فبأزمنة متقاربة يتم استهداف اللواء الرابع حماية رئاسية، ومدينة مأرب وقوات الجيش في نهم، كان مقرر للواء الرئاسي العودة إلى عدن ضمن مسار تنفيذ اتفاق الرياض الموقع بين الحكومة والمجلس الانتقالي (نوفمبر 2019)، لكنه تعرض لهجوم جوي؛ لم يتفق بعد من تبناه، أدى إلى استشهاد الكثير من جنوده، مع ملاحظة أن هذا المصير هو نفسه الذي سرى على كل لواء عسكري فكر باستعادة عدن، سواء بعد انقلاب أغسطس؛ كحادثة قصف طيران التحالف على تخوم عدن، أو بالتهديد لبقية الألوية بالقصف إذا ما فكرت بالاقتراب من عدن؛ العاصمة المفترضة لليمن.

 لم يمض وقت طويل على استهداف المعسكر الرئاسي بمأرب، حتى تعرضت المحافظة التي تشكل أهم مناطق الشرعية قوة ونفوذاً، إلى وابل من الهجمات الصاروخية وتحليق الطائرات المسيرة، بتفرج مريب من السعودية التي يتواجد مقر لقواتها في مأرب، وبعد سحب الإمارات منصة الباتريوت التابعة لها في يوليو (2019)، تعمدت المملكة ترك المحافظة بدون حماية جوية، ما طرح تخوفات شعبية من قرب الدور على مأرب التي سجلت نموذجا مختلفاً عن المناطق المحررة.

 في هذا السياق المريب انفجرت فجأة المعارك في نهم، أي في ظل الحصار غير المعلن من التحالف على مأرب، والتي تشكل جبهة سند للجيش في نهم، لقد وجد جنود الجيش أنفسهم أمام خيار اضطراري للدفاع عن مواقعهم العسكرية في جبهة نهم، بعد محاولات المليشيا الحوثية اقتحامها والاستيلاء عليها، كما شكلت الأحداث الدموية التي طالت زملاءهم في اللواء الرابع حماية رئاسية، دافعاً للجنود للانتقام لزملائهم المغدور بهم، وفرصة لتحريك حالة الجمود الحاصل في مسار المعركة مع الحوثي بالقرب من صنعاء.

 لقد أكدت المعارك الأخيرة في نهم، عدم جدية السعودية في استكمال تحرير المناطق المحيطة بصنعاء، حيث استطاع الجيش إلحاق خسائر فادحة في صفوف الحوثي، وكان يمكن أن يحقق انتصارات حقيقية تعدل من ميزان الصراع على الأرض، لكنه لم يتلق أي دعم عسكري حقيقي، باستثناء ضربات جوية محسوبة بدقة، لتبرئة الذمة السعودية أكثر منها لإسناد الجيش في معاركه.

 في ذات السياق يمكن ربط الزيارة المفاجئة والسريعة للمبعوث الأممي مارتن غريفيث، إلى صنعاء، مع حدوث تقدم للجيش في نهم، وهي عادة أممية تتكرر مع أي تقدم عسكري للشرعية على حساب الحوثي، وهذه الزيارة تذكرنا بالتقدم العسكري الذي حدث على بوابات الحديدة، ما جعل المجتمع الدولي يحشد جهوده الدبلوماسية لإيقاف المعارك وخلق تسوية أممية حفظت للحوثي مدينة الحديدة وموانئها، عرفت هذه التسوية بتفاهمات ستوكهولم (ديسمبر 2018).

فيما يبدو فإن المجتمع الدولي بالتفاهم مع السعودية، يدفعان باتجاه فرض مسار في معارك الجيش مع الحوثي بالقرب من صنعاء، باتجاه يفضي إلى تسوية شبيهة بـ ستوكهولم، يرسم "فيتو" دولي على دخول صنعاء، فالتدخل الجوي السعودي سيضمن عدم تقدم الجيش خارج حدود نهم وفي ذات الوقت عدم سقوطها نهائيا بيد الحوثي، في الوقت الذي تكثف فيه الأمم المتحدة جهودها باتجاه اخضاع الحوثي لتفاهمات ضمن رؤية جديدة، بدأ المبعوث الأممي بالحديث عنها بالفعل، حيث صرح قائلاً: بضرورة الحوار دون أي شروط مسبقة، أي بعيداً عن المرجعيات الدولية الثلاث؛ المبادرة الخليجية (2011) والحوار الوطني (2013) وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة وفي مقدمتها - القرار 2216).

 لقد وضع اتفاق الرياض الذي رعته السعودية خطاً أحمر سعودياً على عودة عدن للحكومة الشرعية، وعمل اتفاق ستوكهولم على رسم خط أحمر أممي على تحرير الحديدة، وما تؤكده تفاعلات السياسة الدولية مع وقائع الأرض الحالية بالقرب من صنعاء، وجود خطة أممية دولية تجري على قدم السعودية وساق الحوثي، وتمثل فيها "نهم" مقدمة استنزاف دموية، تكتب عليها بنود تسوية ثالثة تتعلق بصنعاء.

 مع ذلك فإن وقائع السنوات الماضية دللت على أن المجتمع الدولي يتعامل دائما مع من يفرض سلطته على الأرض كأمر واقع، وهي حكمة معاصرة يمكن التركيز عليها من قبل الجيش في مأرب ونهم، والذين لا تزال لديهم بقية من ضمير وطني في الشرعية، بأن عدم تكرار أخطاء عدن والحديدة، هو الضامن الوحيد لفرض أمر واقع على مشارف صنعاء، لصالح المشروع الوطني، يجعل من التقدم العسكري مدروساً بشكل يضمن؛ إن لم يكن تحرير مباشر لصنعاء، حصاراً يفرض مفاوضات سياسية لا تتخلى عن المرجعيات المتفق عليها، والتي يرغب المبعوث الدولي حاليا بالتخلي عنها.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


آخر الاضافات



صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية