الرئيس البخيل بالكلام..!

لا أتذكر أخر مرة شاهدت فيها رئيس بلدي يتحدث صوتًا وصورة، ربما قبل عام، عامين، ثلاثة، لا أدري، ليس هذا لكون البلاد بلا كهرباء أو لأن الإنترنت رديء ولا يسعفك لسماع خطاب الرئيس بشكل جيد؛ بل لأن هادي شحيح الكلام، يلوك أسراره وحيدًا وكأنه يدير شؤون أسرته وليس مسؤولًا عن ثلاثين مليون يمني، لم يعودوا يعرفون شيئا عما يدور في بلادهم.

هادي هو أول رئيس يمني قليل الظهور، في زمن بات فيه أي مواطن عادي قادر على مخاطبة العالم كله، وبات الناس أمام سيل من الشائعات تتدفق عليهم من كل مكان ولا يجدون مسؤولهم الأول يقف جوارهم ليخبرهم، ما القصة، كيف يدير البلاد، ما الذي يقف أمامه، من العدو ومن الصديق، ما الذي يفكر به، وما الذي علينا انتظاره، ماذا عن اليمن الإتحادي ومشروع الأقاليم الذي يؤمن به، وقبل هذا وبعده، لماذا استطاب حياة المنفى ولم يعد يرغب بالعودة إلينا. وألف سؤال بلا جواب وهادي يلتحف الصمت ويتركنا فريسة للحيرة وكوابيس المستقبل القاتلة.

حتى لو كانت البلاد في وضع طبيعي، فالناس يحتاجون لمن يخاطبهم، كل الخطابات الأخرى مهما كانت مقنعة لا يمكن أن تؤدي دورها ما لم يخرج عليهم الرئيس كشخص يمثل رمزية مهمة للناس. ما بالك ونحن نعيش في أحلك مرحلة والبلاد تمر بظرف تأريخي حرج والرجل القابع على هرم السلطة يبخل على شعبه بخطاب يخبره ما الذي يحدث، وكأن اللغة صارت مدفوعة الضريبة أو ربما أن الرئيس فقد القدرة على الحديث، واحتمال ثالث أن المستضيف لا يمنح ضيفه حق الكلام متى شاء وكيفما أراد.

منذ وقت طويل والشعب في حيرة من أمرة، تتقاذفه الأحداث من هنا وهناك، يتلفت يمينًا ويسارًا ولا يوجد من يخبره أين نحن، ولماذا نحن عالقون في الجحيم وكيف وصلنا لهذا المستوى من التردي الشامل وتعطل الحياة.

في كل حدث مفصلي يترقب الناس خطابًا للرئيس دون جدوى، مرت أحداث كثيرة والرجل لا يتحدث، الشعب محبط من هادي؛ لكنه متلهف لسماع خطاب التأريخ منه، خطاب المكاشفة الذي لم يأتِ بعد.. خطاب اللحظة المأزومة والزعيم الذي يستعيد شيئاً من الأمل لشعبه.

حسنًا، هل أنتم محبطون من هادي، هل كنتم تتوقعون سلوكًا مختلفًا منه، تذكروا أن هادي كائن غريب الأطوار وأن هذا ليس بسلوك جديد عليه، لم يتغير كثيراً وما عادت الأحداث قادرة على تجديد طباعه، لربما كان في صنعاء يخرج علينا قليلاً، وكل ما أحدثته مشاعر الغربة فيه، أنها أفقدته الحالات القليلة التي كان يخرج بها علينا في صنعاء. دعونا نعود للخلف قليلًا.

قبل أن يتمكن الرئيس من مغادرة البلاد، كان الشعب قد كفر بهادي كليًا ولم يعد يؤمل عليه في شيء؛ لكن هذا الشعب نفسه الذي تعرض للخيانة من قبل الجميع، عاد ليبتهج بنجاة الرئيس، ليس لأنه ممثلهم القوي؛ لكنه أهون المفسدتين كما يقال، وعندما أصبح الناس بين فكي عصابة متوحشة وفصائل حراكية انتهازية، وقوى قاعدية متطرفة، فضلنا الإرتماء مجددًا في أحضان الرجل الأخير "هادي " وهكذا هو اليمني يظل وفياً لمن خذلوه حتى اللحظة الأخيرة. إلا أن الشيء الباعث للبؤس هو أننا كلما حاولنا الاحتشاد حول الرئيس تركنا وحيدين وذهب يتوحد مع عزلته، وكأنه ينتقم من ولاء الشعب له، أو أنه يعاقبنا على ولائنا الغبي لرجل لا يستحق.

أتذكر أيضًا، حين استكملت مليشيا الحوثي انقلابها ضد الرئيس في صنعاء، ثم وضعته تحت الإقامة الجبرية وتمكن من الفرار إلى الجنوب، كنت أتوقع أن يخرج هادي فور وصوله عدن، مرتديا فنيلة علاقي، وبجامة نوم، وبكفه كفن أبيض؛ ليخطب خطابا ثورياً ارتجالياً نارياً أمام جماهير الشعب المنتظرة للخلاص، يخبرهم بخططه القادمة ويلهب حماسهم ويطلب مساندتهم؛ لكنه لم يفعل، وظل 15 يومًا حتى لحقته المليشيا إلى قصره وكادت تقتله وهو صامت لم يتحدث.

وحين نفذت ملشيا الإنتقالي إنقلابها الثاني واعتقلت رجالات الرئيس وسيطرت على قصره، انتظرنا خروجًا للرئيس ولم يفعل، وحين تعرض جيشه للغدر من قبل دولة محسوبة على التحالف، وذاق الناس طعنة مريرة وقاتلة، اكتفى الرئيس ببيان قرأه مذيع نيابة عن الرئاسة، وظل الرجل مختفيًّا ولم يستفزه الأمر ليخرج ويشارك الناس حزنهم ويخفف عنهم شيئاً من مشاعر الصدمة، هذه ثلاثة أمثلة فقط لسلوك الرئيس الغريب، والسجل كبير ولا يمكن حصر المواقف الكثيرة التي كانت تتطلب خروجًا مباشرًا للرئيس وإذا به يلوذ بصمته مكتفيًا ببيان أو تصريح وكأن خروجه كثير على الشعب أو أن شعبه لا يستحق المكاشفة.

فخامة الرئيس: لم نعد نريد منك شيًئا.. فقط، قل لنا كيف حالك..؟ ما الذي تفعله في المنفى؟ ما هو شعورك تجاهنا؟ هل ما زلت تتذكرنا، تعبنا يا هادي كثيراً ونحن ننتظرك. تعرض شعبك لطعنات من كل الجهات ومسلسل خيبات بلا نهاية، وأنت صامت وكأننا لا نعني لك شيئاً.

تحملنا خذلانك، ترددك، بطء قراراتك، ضياعك للفرص، فشلك وتفريطك بالبلاد، وهانحن نتحمل صمتك القاتل وبرودتك الباعثة للكآبة وسلوكك الجالب للعار، وأنت صامت ولا أظنك تشعر بشيء.

هذه هي مأساتنا الأولى مع الرئيس، ومن هنا تأتي كل مشاعر الخيبة والخذلان للناس ويكبر إحساسهم بالتيه والفراغ وتتمدد كل العصابات الكارثية ويطول عمرها ومعها تطول معاناة الشعب ومصيره المجهول.

* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


آخر الاضافات



صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية