مأساة الجمال من أستراليا إلى اليمن

تتغير القيم بتغير الزمن، الأشياء التي تكون مهمة تفقد قيمتها كما يبدو، تغير المكان أيضًا له دور في خفض الأهمية أو زيادتها، إنه موضوع يستحق البحث والعناية..


فمثلًا كان الشعراء العرب قديمًا يسهبون في وصف الخيول والجمال، يعطونها قيمة كبرى في الحياة، امرؤ القيس عقر للملاح مطيته، طرفة بن العبد أضاع الإبل التي يرعاها وهو غارق في الشعر وعيش المشاعر على ظهر ناقة:

وإني لأمضي الهم عند احتضاره

بعوجاء مرقال تروح وتغتدي

أمون كألواح الإران نصأتها

على لاحب كأنه ظهر برجد

..

تباري عتاقًا ناجياتٍ وأتبعت

وظيفًا وظيفًا فوق مور معبد.

لقد أرقتني الكلمات قبل سنوات عندما قرأت المعلقة، واعتقدت أن هناك أخطاء طباعية خاصة عند "مرقال"، من يصدق أن مرقال هي الناقة.


ومن حسن حظ طرفة، أنه كان في زمن كريم، يقدرون قيمة الإبل، فاستطاع بقصيدة إرجاع إبل أكثر من إبل أهله الشاردة.

هي القلائص عند بن الريب، وهي الراقصات عند العاشق العربي القديم.

دعونا نتأمل هذا الحيوان وقيمته في هذه الفترة، أو لنقل لنرى القيم من خلال تأمل هذا الحيوان، ولكي يبدو الموضوع ذا قيمة ـ إذ يبدو ساذجًا الحديث عن الجمال في وقت يشهد العالم توترًا لا مثيل له في انتظار الرد الإيراني على أمريكا وانتظار تحرك أدواتها في المنطقة، علاوة على أن الوضع اليمني مليء بالأحداث الشائكة والغريبة، المتشنجة والقاتلة ـ فيمكن رفع قيمته ـ أي موضوع الجمال ـ من خلال التأكيد على دعوة أرسطو للفلسفة، إذ أن السعادة تكمن في التبصر الفلسفي، وهذا التبصر لا يصل إليه الإنسان العاقل إلا من خلال تأمل الطبيعة، وبالتالي اكتساب الحكمة الفلسفية لخدمة الواقع..

وفي موضوع الإبل تحديدًا، سأل القرآن الكريم "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟".

لن نرى للإبل كيف خلقت، لنرى مشكلة الجمال ونتأملها تسرح في الطبيعة ربما نخرج بحكمة ما.

وبعيدًا عن فلسفة أرسطو، لابد من التأكيد على أن الأحداث المهمة كالحروب التي نعيشها، تفاصيل القتل، وتنامي الضغينة بين البشر، وتآمر الناس على الناس، كل ذلك متاح أمام الجميع، والجميع يكتب عنه بشكل يومي، هذا الذي يشعرني بالرتابة والملل بشكل شخصي، ما الذي سأقوله بهذا الشأن وقد قال الجميع كل شيء، لكن لا أحد يكترث لمأساة الجمال.

أشعر أننا بحاجة للإطلاع على مآسي جديدة، وكتابة أشياء هامشية لمعالجة الحالة الببغاوية الحاصلة، هذا الطائر الذي يردد الجمل التي يتم تلقينها إياه، يستحق الاحترام، نحن بحاجة لتنقيص ببغاوات مآسينا فقط.

نعود لمشكلة الجمال، في أستراليا حرائق هائلة في الغابات، وهناك حيث يتشدقون بالقيم الإنسانية والحيوانية على السواء، اتهموا الجمال بشرب الكثير من المياه والتسبب في الاحتباس الحراري، ثم قاموا باتخاذ قرار غريب: إعدام عشرة آلاف جمل!.

وبالمقارنة، يمكنك أن ترى قيمة الجمل في الخليج العربي، أو نوع معين من الجمال هناك التابعة لمشائخ وحكام، العرض الذي شاهدته على إحدى القنوات كان غريبًا، مبالغ ضخمة للأهدب التابع لسلالة "الأقتب" الخاص بالشيخ الفلاني، وهذا دليل على تفاوت قيمة الاهتمام بالشيء بتغير المكان.. أستراليا ليست الخليج.

وبسبب الثراء واستعراض الإنفاق على الجمال في الخليج، لا يمكن أخذها كحالة مقارنة، فليست الجمال من تعاني في أستراليا وحدها، عند تحول القيم إلى مجرد شعارات يعاني الحيوان هنا وهناك. وأنت تتأمل المجازر التي تتعرض لها الإبل، المضرجة بالدم في الغابات الطبيعية إن قررت الخروج بحكمة فلسفية، ستتراءى لك صور مشابهة لمجازر يتعرض لها الإنسان، في سوريا، في اليمن، في الصين، في فلسطين، وبما أنه ليس من العدالة الحديث عن مأساة الإنسان والجمال، فيمكنك كيمني أن تتأمل مشهدًا غارقاً في الدموية، ليس للحمير التي قصفها الطيران فقط، وإنما للجمل الذي داس لغمًا وبترت قدمه، ولمجموعة من الإبل التي نفقت بفضل قذائف المليشيات..

لم يدعونا نتأمل الطبيعة يا أرسطو..

* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك