شيطنة الجيش في تعز!

إذا تحرك الجيش في تعز بشكل مستقل لاستكمال تحرير المدينة سيقولون هذا جيش الإصلاح وهو جيش متمرد على الشرعية وإذا التزم بأوامرها ورفض التصرف من تلقاء نفسه، يكررون النغمة ذاتها ويقولون : هذا جيش الإصلاح والإصلاح هو من يعيق تحرير المدينة.

الإصلاح متهم حين يفعل ومتهم حين لا يفعل، متهم بالفعل ومتهم بنقيضه، هذا الأسلوب العدمي في مناهضة الإصلاح يكشف أننا أمام منطق ثأري لا علاقة له بمدى مسؤولية الإصلاح عن الفعل من عدمه، هو في كل الحالات متهم، بصرف النظر عن صوابية ما ينسب إليه أو خطأه.

مع أن الجميع يعلم أن قرار تحرير تعز ليس بيد الجيش في المدينة، وهو متعلق بقرار الشرعية عمومًا ومشكلات ارتباطها بالتحالف، وتوقف معركة التحرير في تعز، متماثل مع وقف معركة الساحل وتعليق معركة نهم، إلا أن هذا لا يمنع المغرضين من الاصطياد في الماء العكر وتزوير الوعي العام بنسبة المشكلات لخصومهم بلا أي ذرة احترام لوعي الناس أو نزاهة في خصومتهم.

حسنا، الجيش ليس مملوكًا للإصلاح ومن غير المقبول أن يكون كذلك، ولا يجب أن نهديه لهم ولا نسمح بنسبته إليهم.

الجيوش مملوكة للشعوب وسواء كانت من اليمين أو اليسار أو خليط من هذا وذاك، هي قوة يتوجب عزلها عن التصنيفات الإنتمائية بإستثناء إنتمائها الجمعي للشعب، وتذويبها داخل هوية جديدة، والإشتغال على تعزيز هذه الهوية وفصلها عن سياقات التكون الأولى.

منذ فترة تجري محاولات عديدة لشيطنة الجيش في تعز، وهي محاولات غير مفصوله عن المحاولات العامة بتصوير الشرعية كما لو أنها شرعية الإصلاح، وأما الهدف من هذا كله، فهو تبرير كل النشاطات المتمردة عن الشرعية وتسويغ نشوء كيانات منفلتة موازية للدولة وبلا أي مرجعية قانونية؛ بحجة أن الرضوخ للشرعية هو رضوخ للإصلاح، الأمر ينطبق على تمرد الإنتقالي في عدن وينسحب على المحاولات الخجولة لاستنساخ نفس التجربة في تعز، لولا أن ظروف تعز لا توفر مبررات كافية لاستكمال التجربة ذاتها.

في السياق ذاته، خرجت علينا صحيفة "الشارع" في عددها الأول بعد معاودة صدورها، بعنوان عريض تتحدث فيه عن عن فساد الجيش في تعز وكيف أنه جيشًا يتبع الإصلاح، بالطبع الأمر لا يتعلق بنقد أي اختلالات موضوعية في مؤسسة الجيش الوليدة، بل هي سياسة متعمدة لضرب صورة الجيش، بترديد ذات النغمة المملة " جيش الإصلاح".

إن من يفعلون ذلك، لا يشتغلون بشكل برئ، فهم يسعون لتعميم صورة ذهنية مشوشة عن الجيش في تعز، صورة تُسهم في تنميطه بشكل يُسقط عنه هويته الوطنية العامة وعقيدته العسكرية التي يتوجب أن تكون محايدة، وكل هذا يحدث بغرض حشر الجيش في زواية حزبية ضيقة وتبرير كل النزوعات الإنقلابية ضده.

صحيح أن المؤسسة العسكرية في تعز ما زالت في حالة من السيولة وتعاني من هشاشة بنيوية كبيرة، وتكاد تتمفصل في هويات متناثرة، وهذا طبيعي بالنظر لظروف نشأتها، ويبدو مفهومًا كونها في مراحلها الجنينية الأولى؛ لكن ما ليس مفهومًا هو إصرار البعض على تصدير هذه الصورة الحزبية القاتلة عنها، ولأهداف ناقمة ومماحكات سياسية رخيصة وبلا أي حس مسؤولية إزاء المستقبل.

الصراع في البلاد بلا بوصلة.. نحن أمام مماحكات تطال كل شيء، و لا وجود لمحددات صراع تحترم البنى التأسيسية للدولة. وهذا مستوى من الشتات يكشف حالة التمزق التأريخي الذي بلغته النخبة وعجزها عن مغادرة مربع الثأرات والتفكير بعقلية النقمة الدائمة ضد الأخر، ولو تعلق الأمر بتدمير كل محاولة جادة للتأسيس لدولة حاضنة للجميع، وهذه هي مأساتنا الكبرى في البلاد.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


كلمات مفتاحية

#الإصلاح #تعز #الجيش

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك