ماذا بعد التحدي الإماراتي للشرعية اليمنية؟

مر شهر كامل مذ ارتكبت الإمارات أبشع مجزرة بحق عناصر الجيش الوطني على مداخل مدينة عدن، شكلت الضربة طعنة إماراتية غادرة في خاصرة الشرعية، ونقطة تحول صادمة في مواقفها من الجيش الوطني والشرعية بشكل عام.

في البداية جاء الرد الحكومي صريحًا وغاضبًا، أدان الفعل ورفضه على كل المستويات ثم توعد بخطوات إجرائية ضد الإمارات، كان اليمنيون في ذروة غضبهم وبرغم موقف الحكومة المتقدم؛ لكنه لم يرق لدرجة المزاج الشعبي الذي شعر بجرح كبير في كبريائه الوطني. حينها كانت الإمارات مرتبكة ولم تجد مبررا سوى إشهار تهمة الإرهاب، وهي تهمة باتت مكشوفة وتستخدم كذريعة في كل عمل يفتقد للمشروعية.

مرت الأيام وانتظر الناس مواصلة الحكومة لخطوة ثانية في معركتها مع السفور الإماراتي، لكن الحكومة لم تفعل، واستمرت مواقفها تراوح مكانها ولم تتقدم خطوة للأمام، هذا التعاطي الحكومي المقيد هو ما منح الإمارات فرصة لالتقاط أنفاسها والشعور بإمكانية مواصلة عبثها تحت المبرر نفسه.

وبالفعل فقد تجلت المسخرة أكبر في الرد الإماراتي المتبجح على خطاب وزير الخارجية اليمني محمد الحضرمي قبل أيام، وهو خطاب رغم جودته لكنه لم يتضمن موقفًا جديدًا ضد الإمارات بقدر ما كرر إدانة الحكومة للسلوك الإماراتي ضد الجيش الوطني دونما تصعيد في الموقف.

وأما الرد الإماراتي الفاقد للتهذيب فهو يعني أن الإمارات ماضية في استهداف الجيش الوطني والشرعية اليمنية دونما اكتراث لأحد، وذلك بعد أن اتضح لها السقف المبدئي لتعاطي الحكومة الشرعية مع سلوكها، فالحكومة تتعاطي مع الأمر بشكل خجول لا يتجاوز الرفض والإدانة دونما إجراءات عملية لوقف العبث الإماراتي بالبلاد.

بإعتقادي تكمن مشكلة الشرعية في أنها تبني سياساتها على ردات الفعل، دونما منهجية مسبقة وواضحة تتمكن من خلالها من محاصرة هذه الدولة الطائشة ولجم شرورها، بدلاً من إنتظار ما ستقوم به ثم التعامل معه وقد صار فعلا متحققًا وارتفعت كلفة مواجهته وبات حلم تثبيت الدولة وفرض سيادتها أمرا بعيد المنال.

يبدو لي أن الإمارات تثق بوقاحتها وحقها في العربدة في البلاد، أكثر من ثقة الشرعية بحقها السيادي في الدفاع عن الأرض ومشروعيتها في تمثيل أبنائه وحماية مصالحهم من عبث الغرباء، وهنا تكمن جوهر المشكلة الثانية.

نحن أمام دولة بلا كوابح سياسية ولا أخلاق، دولة تستند على فائض المال ونزق الأحلام الإمبريالية وأطماع النفوذ ولو على حساب مصالح الشعوب الأخرى، ولأجل ذلك مستعدة للعبث بكل القواعد القانونية المنظمة للعلاقات بين الدول، ومستغلة هشاشة الدولة اليمنية وظرفها التأريخي الحرج؛ ثم تعويلها على شراء المواقف الدولية لتمرير مشروعها في البلاد المستباحة بالقوة.

حسنًا، لقد بلغت الوقاحة الإماراتية ذروتها، والكرة الآن في ملعب الشرعية، وعلى الحكومة مواصلة التحشيد الدبلوماسي لوقف عبث هذه الدولة في البلاد؛ لجانب البدء بترتيب أوارقها والاعتماد الذاتي على عناصر قوتها الداخلية بل ربما عليها أيضًا الاستعداد لكل الخيارات بما فيها خيار المواجهة العسكرية معها على الأرض، ما عدا ذلك سنتفاجأ في الغد بخطوات تصعيدية أكثر سفوراً ضد الشرعية، ستقوم بها الإمارات تحت نفس الغطاء وربما يصل الأمر لإعلان نهائي بعدم اعترافها بشرعية الرئيس ومن ثم تسويغ مواصلة دعمها للتمرد عليه ودعم حلفائها في الداخل كبدلاء له لخوض الحرب ضد الدولة الشرعية.

بإختصار ثمة رغبة إماراتية منهجية باستنساخ النموذج الليبي، ومحاولة تثبيت التمرد كحالة رسمية وخيار لا رجعة فيه، وهي بذلك لا تتمرد على الشرعية اليمنية فحسب بل تعلن عن نفسها كدولة مارقة ومتمردة على الشرعية الدولية بكاملها.



* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك