26 سبتمبر : ذكرى ميلاد " المواطن" اليمني..!

ربما لم يمنحنا سبتمبر شيئاً، على صعيد المكاسب المادية؛ لكنه منحنا "الحرية"، وأعاد إلينا معنى الانسان، قبل سبتمبر لم نكن مواطنين حقيقيين، كنّا رعايا للحاكم المقدس، بعض ممتلكاته الخاصة وأشيائه الرخيصة، كنّا مجرد كائناتٍ تافهة تدورُ في فلكه، وبشراً معذبين، خافضيّ الرؤوس ومنقوصي الكرامة ولا نملكُ من أمرنا شيئاً.

قبل سبتمبر، كنا أدوات زهيدة يحرث بها السلطان الأرض وتمنحه الثمرة جاهزة إلى فمه، كنا عبيداً متعبين، يُطلقُ سراحها صباحاً فتذهب لتجلبُ له الماء والطعام ثُمّ يضعُ القيد على معصمها ليلاً كي لا تفرّ، هكذا باختصار كان اليمني قبل 26 سبتمبر.

ثّم جاء صباح سبتمبر بكاملِ جلالته ووضع حدّاً لتلك المهزلة الممتدة منذ عشرات القرون. خرج أجدادنا حفاة عراة، خرجوا غاضبين وهدموا قصر الطاغوت، ثأروا لكرامتهم المستباحة وقدحوا شرارة "الحرية" للمرة الأولى، وتمكنوا من النجاح بعد محاولات عديدة سابقة ومتعثرة.

وأما الحرية التي ناضل من أجلها اليمنيون طويلًا، فهي تلك القيمة الوجودية المقدسة، وبدونها لا يكون الإنسان إنسانًا، ولا يكون الإنسان مواطنًا بالمفهوم الحديث للمواطنة، كما لا يمكن للشعوب أن تقف على ساقيها ويقرر الفرد فيها مصيرة كإنسان مطلق الحرية والإرادة، دون هذه القيمة التأسيسية الأولى.

هذا ما منحنا إياه سبتمبر، الحرية، ولا شيء سواها، وهي قيمة مركزية تتأسس عليها باقي قيم الدولة المدنية الحديثة كلها.

وقد كان لثورة سبتمبر فضل التأسيس المبدئي لهذه الدولة، حيث كانت بمثابة حدث فارق في تأريخ المواطن اليمني المعاصر بما حملته من مضامين مؤسِسة لحياة جديدة يكون الشعب فيها حكمًا فاصلًا ومرجعية أولى في تقرير مصيره.
وبصرف النظر عن تعثرات مشروع ثورة سبتمبر وعدم تمكنها من تجسيد صيغة مثلى للحياة المدنية المأمولة، إلا أنها تظل نقطة تحول جذرية تمكن فيها اليمني من إثبات ذاته وتكسير كل المفاهيم العنصرية التي صادرت حريته وأغلقت كل إمكانية للنهوض الحضاري والإنفتاح على العالم.

في هذا السياق من المهم التأكيد أن النظام السابق كان قد أفرغ جمهورية سبتمبر من محتواها، وأوصل البلاد لحالة من الإنسداد الكلي الذي غدت معه قيم الجمهورية مجرد لافتات زائفة، بل إنه كان يمهد للتوريث الأمر الذي يعد بمثابة إعلان إنقلاب تأريخي على أهم مكتسبات سبتمبر، وعودة مكشوفة لزمن المفاهيم السلالية في الحكم، إلا أن فبراير أسقطت هذا الرهان، وهو ما دفع النظام لاحقًا، للتأمر مع أحفاد الإماميين الجدد وأسلمهم الجمهورية بكاملها.

وأمام حالة ارتداد كارثي كهذه، احتشد اليمنيون مرة أخرى وعاودوا المعركة ضد الصيغة الجديدة من حكم الإمامة المتخفي تحت جلباب الجمهورية. الأمر الذي يعني أن المعركة الحالية هي امتداد طبيعي لمعركة الثورة الأم، ودفاعًا عن ذات القيم التي حاول البعض التحايل عليها وتدميرها من الداخل.

أخيرًا: تذكروا يا أحفاد الولاية، أن سبتمبر هو حديث اليمني الصحيح من بين كلّ الأحاديث الموضوعة قبلاً وبعد، سندنا الموثوق بلا شهودٍ ولا مرويات، ومتراسنا الأزلي للذود عن قداسة الإنسان. سبتمبر هو حكايتنا الأصيلة تلك التي لن ينال منها الزمن، ومجدنا الذي لا يمكن التشكيك به، هو قصة بطولتنا المحروسة من اللغط، وآيتنا الوحيدة التي ما مسها مشعوذ قط. سبتمبر دستورنا الذي كتبه الأجداد بالعرَق ، ولسوف نحرس قداسته حتى الأبد.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك