من عثمان بيه الى الشيخ عثمان (4)

فجأة توقفت الأمواج عن مهمتها القديمة
ساد الشاطئ هدوء غريب
لم أعد أسمع هدير محركات القوارب
أو أناشيد الصيادين
صمتوا جميعا وبدا لي أنهم ينظرون حيث أنظر، إلى صوت الصغير الذي يغادر آخر صيف في عامه السابع.
كانت كلماته واضحة كأنه يتحدث من منصة إعلان حرب.


قال وقد ثبت عينيه تجاهي في انتظار أن أجيب _ قصة كل يوم لما تسافر
ثم في عينيه الصغيرتين واللامعتين رأيت تلك العلامة التي وضعها الآشوريون نهاية أسئلتهم وبداية كهوفهم.
ثم عاد ليركل الماء بقدميه مطوقا ببالون النجاة الملون.
أستعد للموافقة على عقد صفقة في البحر
عاد كل شيء إلى طبيعته وظهرت الأصوات مجددا من بين الماء .
القصص هي كل ما يحرك هذا العالم.


في الحلقة الأخيرة من جيم أوف ثرونز تساءل
تيريون لانستر: ما الذي يوحد الشعب؟!،
ومستمرا في حديثه.
" القصص، لا شيء في العالم أقوى من قصة ممتعة _ لا يمكن لشيء أن يردعها _ ولا يمكن للعدو أن يهزمها ". 
وها هو الصغير يسألني قصة كل يوم قبل أن ينام وأنا أخشى عليه من الأعداء وهم أكثر ما في عالم اليوم، أولهم لابث في كهفه وآخرهم يقف على الساحل يرتدي زيا غريبا ويحاول تبديل الحروف.


القصص تخفف وقع المسافات بيننا
وتخلق مشتركات كثيرة وتنمي الخيال في واقع مر.
معاً عدنا إلى شق طريقنا وسط الأمواج، يطل علينا جبل أسود لا شجر فيه ينتهي بغرف صغيرة يعيش فيها حراس يحيطهم سياج حديدي وتاريخ يجهلونه.
لا أعرف جيداً من يتبعون وهم أيضا يجهلون هوية الأب الذي يسبح مع صغيره بين القوارب ويبدو لهم من بعيد كنجم في سماء ملبدة بالغيوم في زوايا ما كان لها أن تخصص للهواة 
ومن يهتم هنا بالنجوم ومن يعيد النظر إليها.


حيث نعوم الآن رست سفن كبيرة ومنها أطلق جنود الملكة رصاصهم نحو عمال يرتدون ملابس ممزقة ويفكرون بأطفالهم في المنازل الجبلية ونحو عسكر يحرسون سلطاناً لا سلطة له وقد وافق على تسليم المدينة مقابل أن يظل حاكما على رعاياه، قبله وبعده قال حكام المدينة دعونا نحكم رعايانا وجميعهم ما كان لهم رعايا .
ظل مطلقو رصاص لا يتوقف مائة وثمانية وعشرين سنة يحرسون فكرة قائدهم الذي وقف عند شاطئ شوباتي في مومباي عام 1837 وألقى للتاريخ خطبة (من يسيطر على عدن يسيطر على مومباي)، وفي المساء كان يوصي أحدهم بإيصال الفكرة إلى التاج البريطاني.
كل احتلال في اليابسة أو البحر بدأ بفكرة آمن بها قادة رأوا فراغا في المساحات وفي القلوب فشغروها، وها أنا أرى الفراغات ولا أمتلك الرماح.


قبل سنوات كنت وضياء نقف في الجهة الأخرى من البحر ومن التاريخ
أي في شوباتي حيث وقف هينز
الفكرة التي نحملها كيف نتخلص من وجع الصغير ونرميه في اليم الذي يقصده الهنود لذات الغرض وكثيرا ما غرقوا وهم يبحثون عن النجاة من علة فتخلصوا من كامل البدن وشعروا بالتحسن فلا أسقام في الموت.
تلك كانت فكرتنا وهي ما يجمع كل اليمنيين الذين يبحرون جوا إلى الهند ويقفون عند ساحل شوباتي وقد مزقهم المرض والحنين إلى وطن جريح. 


كلهم فقدوا أجزاء من أجسادهم
وكل ما يجول بخاطرهم أن تبتسم الممرضة لهم ويتركهم السقم ويزورهم مندوب الجرحى وفي كيسه ما يخرجهم من المشفى بسلام.
جنودنا لا يأتمرون لأصحاب الأحلام الكبيرة ولا يضعون اعتبارا للرايات التى تظلهم.
لا يحرسون قضية واضحة وتحتلهم الحكايات القديمة وروابط القرية التي لا تكبر.
وقد قال ضابط للرئيس: "عساكر من قريتك يحرسوك".
يومها تذكر هادي ريف أبين واستعاد أصدقاء الطفولة الذين لهوا معه بصغرهم وما كانوا على دراية أنهم يلعبون مع القائد كما تقول اللوحات العملاقة في عدن، القائد في عدن يتوسل الناس الحفاظ على الممتلكات العامة هذا ما تنص عليه اللوحات.
إلى جوارها تقف لوحات القادة العشرة عيدروس وهاني وبينهم مكافحون يعتقدون أن الخلاص في عدم وجودي هنا.
لا ينسى الزمن صور جنود هادي الذين يحملون أكياس الثياب على رؤوسهم والوجع على قلوبهم والبقع على قمصانهم وهم يغادرون صنعاء عائدين إلى نصيحة الضابط الموالي للحوثيين حاليا.


وراء هينز وصغيره الذي رافقه في رحلة اصطياد عدن تاج وحاميات، أهداف ومستقبل
خلفنا مبانٍ مدمرة
صهاريج جففت الشمس ماءها
رجل يسير حافيا على الشاطئ يحمل في عينيه دموعا منذ زمن، ويدعو على القدم التي سترتدي نعاله الغارق في البحر
وراءنا قتلة وقف أحدهم هنا في 2015
وقال إنه سيجتاز البحر بلا شراع إن أمره سيده
قال ذلك قبل أن يقع في الأسر وينكر أن له سيداً وشعاراً وكان يحمل دموعا في عينه منذ زمن أيضا
وما أكثر الدموع الواقفة في أعين اليمنيين منذ البدايات.


أحرك الماء قليلا حتى لا أزعج جنود يسران القريب من وجودنا
أعلم الصغير كيف يسبح وينقذ بدنه
فبعد أيام سنتداول قصة جسدين انطلقا من موطننا للوصول إلى اليونان وتم الصلاة عليهما في مدينة بودروم التركية لأنهما لا يجيدان السباحة.
بعد دقائق من شعورنا بالإنهاك وبقائنا على الشاطئ أتت امرأتان، طلبا للعون وكانتا قد وصلتا للتو من الصومال، واللاجئون هم هنز هذا الزمن.
وهم واحدة من دوافع أهل عدن للقبول بعودة الانجليز وسببا رئيسيا للحيرة التى تقطن أروقة الداخلية
وتسكن رأس وزيرها
فقد قال إنه لا يدري كيف يفعل مع القادمين من أفريقيا
"نعيدهم أم نطلقهم في شوارعنا"
وصادف تلك الأيام الإفراج عن آلاف اللاجئين ومنحهم حرية التنقل في البر اليمني: "عجزنا عن إطعامهم"، قال الوزير.


لا يتخذ اليمنيون موقفا صارما تجاه من تحملهم القوارب فمن يدري من سيصعد غدا على متنها
أجبر الحوثيون أهالي عدن على الرحيل من ديارهم والوصول إلى الضفة الأخرى. 
ومازال عدد منهم هناك ينتظرون نهاية المعركة
ويتذكرون الجثث الطافية على سواحل عدن بفعل رجل أراد أن يعيد عرش جده، وأن يخرج من كهفه إلى ساحل.


أقام الإنجليز هنا وبدا لهم توقف الزمن فجلبوا كل شيء معهم وصاروا جزءا من المدينة 
أقاموا الكنائس ولم يعترضوا على المعابد اليهودية والهندوسية وهي مصدر فخر لسكان المدينة 
قال أحد أهالي عدن حين أبصر الدهشة في أعيننا: "تعيش هنا جميع الأديان لأننا لم نعترض". قال: "كل فئة تأتي وتمارس طقوسها، المسيحيون يأتون ويقيمون صلاتهم ولا أحد يعترض طريقهم. 
وبينما كان يقول ذلك محاولا استرداد ماضي المدينة كان الحاضر واقفا امامنا وعلى جدار شبه مدمر وسط كريتر كانت تطل عبارة تقول ان سب الصحابة كفر، وما كان لكلمة كفر ان تستقل بذاتها فلابد ان يلحقها تهديد بموت.
وكثيراً ما تنفّذ ذلك، قُتل أمجد عبدالرحمن بتهمة الردة وبالكاد تتذكر المدينة ذلك 
يمحو الضحايا في عدن بعضهم ويتنازل كل ضحية لمن يأتي بعده.


اخر جرح في المدينة كان يسكن في المعلا قبل ان تأتي قوات تداهم منزله وتقتله، ويصبح في المعلا صورة على جدار أقامه الانجليز ايامهم ولم يرممه غير من فكر بطباعة صورة الضحية عليه. 
جلست اتأمل الصورة واعد الدقائق، وفجأة هبط من سيارة اول زميل القاه في المدينة صدفة، المدينة التى لم ابلغ أحد انني فيها، ترتب لي موعداً مع زكريا وابنه كنان وهما من سيحولان الأرصفة إلى ربوع.


قال كنان: "الحوثيون ضايقوا أبي في صنعاء فجئنا عدن".
استغرب زكريا من تفاصيل الفتى عن الحوثيين وكيف جعلوا من بنادقهم مصدر خوف للصغار الذين سيكبرون وهم يعرفون من ضايق اباءهم 
ومن طردهم من مساكنهم ليحتلها، ومن قال لمحرر المادة "وانت ما معك" .. يتبع


* من صفحة الكاتب على الفيس بوك


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك