صورة أمل.. عندما أعاد صحفيو اليمن تذكير العالم بالحرب المنسية

صورة أمل.. عندما أعاد صحفيو اليمن تذكير العالم بالحرب المنسية

لم تعد حرب اليمن منسيّة للعالم بعد أن شاهد صورة الطفلة أمل ابنة السبعة أعوام ملقاة على سرير بمستشفى محلي، كانت الصورة تكثّف الوضع المأساوي للحرب المندلعة منذ 2015 في البلد الأفقر عربيا.

أثارت القصة ألم وغضب القراء، وتزايدت الضغوط على التحالف السعودي الإماراتي لإنهاء حربه التي تسببت بأسوأ أزمة إنسانية في العالم، إذ يحتاج أكثر من 22 مليونا، أي 75% من السكان، إلى نوع من المساعدة أو الحماية.

ويضع اليمنيون آمالا بأن تكون صورة أمل سببا في وقف الحرب، ويقول أستاذ التاريخ نبيل صالح للجزيرة نت «قصة أمل تعبّر عن معاناتنا، ونأمل أن تغيّر صورتها السياسة الداعمة للحرب».

واحتوت الصورة على بعد انساني أثار التعاطف الكبير وتصدرت معها كبريات وسائل الإعلام الدولية، وكانت تروي تلك المعاناة من الزاوية الأكثر تأثيراً؛ صورة الطفولة التي أنهكتها المجاعة، حسبما يقول مراقبون.

ويقول الناقد الفني والكاتب جمال حسن إن الصورة كانت «تعبيرا بالغا عن تدهور إنساني شديد، وعن أضرار فادحة تسببت بها الحرب لليمنيين، وفيها كثافة تعبيرية عن قتل أشد ضراوة، وعن مفترس يتفنن بتعذيب اليمنيين وقتلهم هو الجوع، وكانت الصورة أشبه بقداس حزين».

ويضيف للجزيرة نت «استطاعت الصورة أن تحكي عن المأساة اليمنية بشكلها الفاجع، وكان أثرها واضحا، حيث قال البعض إنه لم يكن متوقعا أن المأساة بلغت في اليمن ذلك الحد».

كواليس الصورة
والصورة التي أعادت انتباه العالم لمأساة اليمن هي جهود بذلها صحفيون محليون كرسوا أنفسهم للأزمة الإنسانية.

من بينهم الصحفي عيسى الراجحي الذي يعمل بدأب على أن تحتل المعاناة الإنسانية للحرب الاهتمام الأكبر للرأي العام الدولي، نائيا بنفسه عن الصراع السياسي.

يقول الراجحي للجزيرة نت إنه كان في زيارة إلى مركز صحي بمحافظة حجة التي ينحدر منها، وتفاجأ بعشرات الأطفال قد تحولت أجسادهم إلى هياكل عظمية، وحين سأل عن وضعهم تبيّن أن الجوع قد فتك بقرى كاملة.

ويضيف «زرت المنطقة ووجدت أن ورق أشجار الغلف (الحلص) أصبحت الوجبة الرئيسية للعشرات من الأسر، ووجدت أطفالا لا يستطيعون حمل أجسادهم، وبدأت ألتقط صورا لهم، وكنت أشعر أنني ألتقطها بقلبي وليس بعدسة الكاميرا». حاول الراجحي أن يكمل التصوير، لكنه لم يغالب دموعه، فانتحى إلى الجوار وأجهش بالبكاء.

أشعر بالألم
كانت أمل واحدة من الأطفال الذين التقط لهم الصحفي الراجحي صورا، لكنها بعد أيام توفيت، ومع انتشار خبر وفاتها طرح القراء السؤال الأشهر لمصوري الحروب -ومنهم الراجحي الذي لم يكن معروفا لهم -لماذا لم ينقذها؟

يجيب الراجحي الذي يعمل صحفيا متعاونا مع عدد من وسائل الإعلام الدولية، «كنت أتمنى أن تكون أمل (وحدها) هي المصابة بسوء التغذية، إذن كنت حملتها على ظهري وسارعت بإنقاذها، لكني وجدت المئات من أمثالها، والأمر فوق استطاعتي».

يضيف أن مهمته الرئيسية تتمثل في نقل معاناة وأمل 18 مليون يمني يهددهم مصير مماثل، وطلب تدخل المجتمع الدولي والمنظمات لإنقاذهم، وهو ما حدث إذ نشرت وكالة أسوشيتد برس القصة.

وبعد أيام كان فريق صحفي أجنبي يصل إلى قرية أمل النائية المحرومة من المواصلات والخدمات والاتصالات، لتظهر الفتاة التي تصارع الموت بصمت على غلاف صحيفة نيويورك تايمز.

شعر الراجحي بالحزن بعد وفاة أمل، مما دفعه للعودة لزيارة أسرتها، «تألمت وأنا أسمع أمها تتحدث بحرقة عن قصة وفاتها، وكيف حاولت إنقاذها، بعد أن حملتها ومشت بها على الأقدام لمدة ساعة تحت المطر، وهي تصارع الموت بين أحضانها».

عوائق كبيرة
ولكونهم صحفيين محليين لا ينتمون لأي طرف، فإنهم يحرمون من امتيازات الحماية ويوضعون أمام عراقيل لا تنتهي، وإذا ما صادفوها فإنهم يحاولون التذكير بأنهم صحفيون ينقلون معاناة الحرب، في بلد يعد فيه العمل بحقل الصحافة مغامرة غير محمودة العواقب.

يقول المصور عبد الله حمران للجزيرة نت إنه يحتفظ بعلاقات طيبة مع جميع الأطراف، لكن خروجه إلى الميدان يمثل له تحديا لا ينتهي إلا بعودته للمنزل، مضيفا «نحاول ألا نتطرق للوضع السياسي حتى لا نؤجج الحرب، نبحث عما يخمدها».

لكن المهمة الإنسانية للمصور حمران، تصطدم غالبا بصعوبات كثيرة، خصوصا أن الكاميرا تسبب لفت الانتباه في بلد يعيش حالة حرب، «وكوننا مستقلين نمنع من المرور بشكل أسهل في نقاط التفتيش والحواجز الأمنية».

ولا ينتمي معظم الصحفيين المحليين إلى هيئات صحفية معروفة كنقابة الصحفيين أو اتحاد الإعلاميين اليمنيين، كما أن الكثير منهم يعمل بشكل حر ومستقل، لكن جهودهم غالبا تطغى على الهيئات المعروفة التي تمثل صحفيي اليمن.

وغالبا كان الصحفيون يقفون خلف الحملات الإنسانية على مواقع التواصل، فقبل أيام أطلق الصحفي بسام القاضي من خلال حسابه على موقعَي «فيسبوك» و«تويتر»، وسمَي #أنقذوا_أطفال_الأزارق #المجاعة_تفتك_بأزارق_الضالع، ليلفت أنظار العالم إلى مأساة قرية الأزارق جنوبي اليمن، بعد وفاة الطفل غدير بسبب الجوع.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك