بين المقالح ونيرودا

الظلام على سنتياغو، هذه استعارة استخدمها شاعر بعد أن وقعت تشيلي في قبضة الانقلاب الدموي في ستينيات القرن المنصرم، كان الشاعر الكبير بابلو نيرودا هناك، هذه هي النقطة التي تهمنا في هذا الموضع، الشاعر الكبير في قبضة الانقلاب الدموي، كيف يعيش؟ وما المطلوب منه؟

وهل تشبه سنتياغو صنعاء الآن؟

ستعرج على نيرودا، قصص العشاق في معرض الاستعارات المكثفة، أمتعها رواية "ساعي بريد نيرودا" لانطونيو سكارميتا، هذه الرواية تتحدث عن ساعي بريد قروي يصاحب نيرودا ويطلب منه أن يكتب له القصائد لترويض حبيبته الواقعة تحت عين والدتها الصارمة، والتي ترى في الكلمات سحرًا يجذب النساء للغواية..

ساعي بريد قروي وشاعر ذاع صيته في الأرض، يستخدمان "حرب الاستعارات" وأرملة تواجههم "بمدفعية الأمثال" يالمتعة الموضوع ومتعة القصة  التي تعرج بقدر يسير على فترة حرجة من حياة تشيلي كلها "شيخوخة بابلو وازدهار دموية الانقلاب" وفي هذه الفترة لا يستطيع ساعي البريد من حمل الرسائل فيضطر لفتحها وقراءتها ويذهب لينقلها لنيرودا، بابلو عاجز عن القيام من سريره يطلب من الساعي أن يساعده على النهوض إلى النافذة فيتردد الأخير خوفًا على بابلو، كان ضيق الحركة في المنزل صورة مصغرة لديكتاتورية الانقلاب، للحصار الذي تعيشه تشيلي، الشاعر يتوسل الساعي:

"إنني ثيلستينك، قوادك، وعراب ابنك، بفضل هذه الألقاب التي كسبتها بعرق قلمي أطالبك بأن توصلني إلى النافذة" ويقول له: ما الذي تريدون إخفاءه عني، ألن أجد البحر هناك في الأسفل عندما أفتح النافذة؟ هل أخذوه أيضًا. هل حشروا بحري في فقص أيضًا".

في صفحات غير صفحات السرد، وبعيدًا عن هذه الرواية، قال بابلو:

«تسألون لماذا في شعره لا يتحدث عن الأحلام والأوراق، عن البراكين العظيمة في وطنه الأصيل، تعالوا لتروا الدم في الشوارع، تعالوا لتروا: الدم في الشوارع».

هذا المفتتح استهل به الشاعر الكبير عبدالعزيز المقالح قصيدة قديمة: الظلام يسقط على سنتياغو.

وإذن فالمقالح قد قرأ تجربة عن الإنقلاب، وقد يتبدى له أن صنعاء في زمن الحوثي تعيش وضع سنتياغو وقت بيونيشه، ويعيش المقالح تقريبًا وضع نيرودا، حيث، كما قال المقالح في القصيدة:

"المدينة أسلمت الروح،

والديدبان

وشاعرها أسلم الروح"

عندما أصادف نقدًا لاذعًا من أصحابي على المقالح أتوقف فجأة، أتجنب النقاش مثل سائق يركن سيارته في أعلى سمارة ليتأمل ما يحدث في المنعطفات، وكما يتأمل خضرة إب في الصيف أخرج أنا لديوان المقالح كي أتحلى بالنصفة قبيل مهاجمة المقالح، المثقف الكبير الذي يحاسبه أصحابي على صمته، لكن وللآن لم يحدث أن كتبت.

قد يكون أصحابي على صواب لأنهم يعيشون لغب الحرب، ومصاعب الحياة فيها، لكن وقد عشت ذات المصاعب وأزيد، تمكنت في القرية من قراءة المقالح أكثر وأكثر، المقالح في شعره لا يتحدث عن الأحلام والأوراق، وفي قصيدته الأخيرة أعلن اليأس وكأنه أسلم الروح.

المقالح بذل كل طاقته قبالة الألفية الثالثة، هو من قسى على صنعاء وطلب منهما المغفرة، رجل ليس من شنشته الصدام حتى مع الأمكنة، ثائرًا على طريقته وموقفه من الإمامة واضحة وضوح الشمس.

لا غبار على الشاعر الكبير، صمته طبيعة، والعودة إلى دواوينه ربما تبدد ما يراه الآخرين وزرًا، ومع ذلك لا يخل إنسان من النقد؟

هل قرأتموه في السبعينيات، لقد كتب مقدمة الأعمال الكاملة لأمل دنقل، وهو ذاته ستجدونه وقد كتب مقدمة لشخص مغمور أصدر كتابًا على نسق رسائل الإس إم إس في 2012، إنه لا يرد أحد، ربما من شنشته الطيبة الخجولة والتي جعلت منه مستهلكًا في كتابة المقدمات لكثير من كتب الشباب..

إن كان هناك من نقد، فليكن في هذا الموضع، واعتبروني القروي الذي يشبه ساعي بريد نيرودا الذي يتعامل مع الشاعر الكبير وكأنه بذات مستواه الثقافي، حتى أن نيرودا وصفه ذات يوم بعد أن قرأ له من شعره ليعلمه الاستعارة، بالناقد الصارم.

المقالح أتي من عصر النجوم "عبدالصبور، دنقل، نازك، فدوى طوقان..." اكتفى أن يكون من مؤسسي الشعر الحديث، أن يلج العرب إلى قصيدة النثر، جدد في كل شيء، في تلك الأعوام تقريبًا بذل غالبية جهده حتى ليظن قارئه في الإصدارات الأخيرة أن الوهن قد أصابه حتى عجز عن ابتكار العناوين، فدوواينه الأخيرة على هذا النمط: كتاب القرية.. كتاب الأم..، أما القصائد فعلى هذا النحو: القصيدة الأولى.. القصيدة الثانية.. إلخ، ولكن قد يكون هذا الابتكار في نظر الآخرين تجديدًا.

المقالح كبير، ولولا الفوبيا التي تساوره من ركوب الطائرة لكان أثره كبيرًا على كثير من شعراء العرب الشباب، لو غادر نمط الحياة لاجتاز أدونيس الذي يتقدمه في كتابة الأعمدة حسب الترتيب الأبجدي فقط.

تلك حياته، فليرتح كما شاء وفي المكان الذي يريده.. لانريد من هذا الشاعر أن يتصادم مع أحد، لا يسمح له العمر ولا طبيعته أن يتشاجر مع أي كان، المقالح من الرعيل السبتمبري الأول، ستجدون في شعره الزبيري والموشكي وعلي عبدالمغني والثلايا، لم أتخيل أن أرى آر بي جي على كتف المقالح ليواجه المشاط وأبو علي الحاكم في حدة.. يكفي أن يقول لنا بأنه لم يقل شيئًا للكبسي، الناقد المفاجئ الذي يؤكد بأن البردوني كان يشتكي إليه، اشتكِ لمن شئت يا مقالح عدا الكبسي، أذل أم المشهد الأدبي بشكوى واهمة كيف إن اشتكيت إليه صادقًا..



شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك