عودة معسكر النكاية

يجيد العرب ومن بينهم اليمنيون تداول القصص والعبر وكون العقل العربي عقل غير تحليلي وغير تأملي في المجمل تتحول تلك العبر والتجارب والدروس إلى موروث شفهي يتم تداوله دونما أثر له على صعيد الوعي وتحصين الجماهير من الأفخاخ التي يتم تصويرها في الموروث على هيئة قصص.

من بين تلك القصص التي لها علاقة بالنكاية هوس الانفراد في العيش بلا تعايش والتفريط بالكيان الجمعي، تحت مبرر البقاء وحصد الميراث، وهذا الأمر لا يعني أن ما يتم بمعزل عن الدوائر الخارجية التي تعمل بشكل ممنهج وتضخ وعياً موجهاً وتخلق مزاجاً عاماً لغرض في نفس الممول.

أنا هنا لست بصدد إصدار تعميم بعينه لكن محاولة لتحليل الظاهرة العامة في اليمن مع عودة معسكر النكاية الذي اعتقدت أنه استفاد من درس إسقاط الدولة في عمران وفي صنعاء نكاية بطرف سياسي بعينه تحت عناوين عديدة من بينها إفراغ الصراع من العناوين الوطنية من بينها الدولة والحياة السياسية ليتم إعادة ذات الإسطوانة في عدن وفي تعز لكن الانكشاف هذه المرة أوسع وأفضح والتابعين أقل.

من طفولتي سمعت قصة البقرة السوداء والبقرة البيضاء وهي اكثر القصص التي تجسد التخلي عن فكرة الدفاع الجماعي عن الذات الجماعية قصة ثلاث بقرات في الغابة واحدة سوداء والثانية حمراء و والثالثة بيضاء.

وفي أحد الأيام إقترب الأسد منهن فاتحدن واستعددن لمهاجمته فرفع الأسد الرايه البيضاء يطلب (التحدث معهن) فقال لهن أنا ملك الغابة ولا أحد يتجرأعلى رفض طلب مني وأنا هنا لأعرض خدمتي عليكن فأنا سوف أدافع عنكن لغرض الرعي في الغابة بسلام، وتمت الموافقة من قبل الثلاث دونما معارضة وفي اليوم الأول ذهب الأسد إلى البقرتين الحمراء والسوداء وقال لهما: أنا لا أستطيع أن أحمي ثلاث بقرات.. والبقرة البيضاء لونها واضح في الليل والنهار وتسبب المتاعب.. أما أنتم فلونكما معتم ولا خوف عليكما.. فما رأيكما في التخلص من البقرة البيضاء ليسهل علي الدفاع عنكما.. تمت الموافقة وبعد الموافقة هاجم الأسد البقرة البيضاء و أفترسها.

وفى اليوم التالى.. ذهب الأسد إلى البقرة السوداء وقال لها لونك ممتاز أما البقرة الحمراء لونها مغري وسببت لنا المتاعب ما رأيك أن أتخلص منها.. فوافقت البقرة السوداء.. فذهب الأسد إلى البقرة الحمراء وافترسها… وفى اليوم الثالث جاء دور الأخيرة البقرة السوداء، جاء الأسد قاصدها فقالت له هل تأكلنى؟ فقال لها لقد أكلتك يوم سمحتِ لى بأكل أختك البيضاء.

تأمل هذه القصة مناسبة تاريخية كونها تنطبق تماماً على قوى الثورة والجمهورية في اليمن وربما في الوطن العربي بشكل عام وهي من ميلاد الجمهوريات تكرر ذات القصة وتتخلى عن فكرة الدفاع الجماعي عن الذات السياسية والذات الوطنية الجامعة نكاية ببعضها البعض وتصغي جيداً لإغراء المفترس بقصد أو بدون قصة مرة يتم استخدام اليمين ضد اليسار ثم تعود لاستخدام اليسار ضد اليمين، ومرة ضرب القومي بالإسلامي ومرة ضرب الإسلامي بالقومي وبفعل النكاية تتحول الكتلة التاريخية التي تحدث عنها الجابري والتي دفع جار الله عمر حياته ثمناً لها وأعادت الثورات العربية لبعث فكرة الكتلة التاريخية بإطار واسع ومختلف من خلال ضخ القوة الشعبية الجديدة ممثلة بالشباب إلى قلب التحولات التاريخية.

غير أن مسلك الطبقة السياسية حول تلك الكتلة إلى حالة أشبه بالتآكل البيني للمكون الذي يرفع لافتة الحركة الوطنية والمشروع الوطني من نصف قرن.. صحيح هناك عوامل عديدة وتراكمية وصحيح أن كل طرف يتحمل المسؤولية بحجم حضوره وخبرته إلا أن عودة معسكر النكاية بعد أحداث تعز الأخيرة مؤشر أن موجة الثورات المضادة الممولة اقليمياً تستغل معسكر النكاية القديم الجديد لتنفيذ أجندتها التي تلحق الأذى بما تبقى من فكرة الدولة وفكرة اليمن في مرحلة يتم فيها رفع لافتة استعادة الدولة من قبل الجميع دونما تحويل تلك اللافتة إلى عنوان للصراع من أجل الدولة.

* مقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك