الرحلة إلى مكة

الرحلة إلى مكة ما هي إلا الفصل التمهيدي للرواية، أو ما يبدو للعين من المشهد، إنها المظهر الخارجي لرحيل أعمق في سراديب الروح وأشواقها التي لا تنتهي. مكة التي دفنتها الرمال ذات يوم، ثم جاءها نبيها العظيم فجعلها المدينة الدينية الأقدس والأكثر زيارة في العالم. 


يقول الكثير من خصوم الإسلام، إن المسلمين في الحج يطوفون حول «حجر»، وأن الإسلام يمثل امتدادا للديانات الوثنية البدائية التي جعلت آلهتها مجموعة من المجسمات من الحجارة والرخام والمعادن الأخرى، في محاولات مستمرة من الإنسان لتحسس معبوده وتقريبه منه، أو في محاولة من الإنسان لأن يجعل إلهه على صورته كي يتخلص من خوفه الأزلي من الغيوب والماورائيات.

 

الواقع أن المسلمين لا يطوفون حول «حجر»، بما هو كتلة صخرية جامدة، ولكنهم يطوفون حول مجموعة من القيم الروحية التي يحاولون بحركات دائرية تجسيدها وتكريسها في حياتهم العملية. هناك من يطرح أن الصلاة- مثلاً- يجب أن تمارس عن طريق الذهن والروح والصمت، وأن تكون هناك في الأعماق القصية في القلب. ولكن، وبما أن الجسد آلة الروح، كما يقول الفلاسفة، فإن الروح تمارس أشواقها عن طريق هذا الجسد. الجسد مجلي الأشواق، ومحل تجسيد حركات الروح، وما عمليات الطواف والسعي إلا تجسيد لدوران الروح حول قيمها الإلهية، وسعيها المستمر نحو الاكتمال والاقتراب من الخالق الأعظم. ومن هنا كانت كلمة الخليفة الثاني عمر الذي قبل الحجر الأسود، وخاطبه قائلاً» والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك»، وذلك يعكس مدى الحساسية الإسلامية من مقاربة الأحجار التي كانت تصنع منها «آلهة العرب»، وهو ما يفتح الباب للتأويل الرمزي لقصة الرحيل إلى مكة.


الطواف سبعة أشواط حول «الكعبة» أو «البيت المعمور» هو طواف روحي في المقام الأول، هو نزوع الروح للدوران في أفلاك روحية خالصة. إن المحبين حين يستبد بهم الشوق يبدأون في تحريك أجسادهم بما يتواءم وحركات أرواحهم الهائمة في فضاء المحبوب. ألا نُقبِّل نحن صور محبوباتنا كانعكاس لحقيقة الوجه الذي نحب، ألم نُقبِّل الرسائل المرسلة من الأحبة، وهي «ورق لا يضر ولا ينفع»؟ ألا نحتفظ بقطع من الملابس لمن نحب، نشم فيها روائحهم، ونرى فيها صورهم، وننسج منها ذكرياتنا التي لا تنتهي معهم قبل رحيلهم؟


ما معنى أن يحتفظ الهندوس برماد جثث أحبتهم بعد حرقها، ووضعها في ركن من الغرفة يمرون عليه كل صباح لتحيته؟ لماذا كانت ملكة بريطانيا الشهيرة فيكتوريا بعد موت زوجها ألبرت تعد له ملابسه وطعامه كل يوم كما كان قبل موته؟ هل كانت تخاطب العدم؟ هل كانت تعد المائدة لصنم؟ هل كانت تهيئ ملابس وثن؟ أم أنها كانت تخاطب روح المحبوب، وتعيش ذكرياتها مع قصة حب عظيمة ولدت ذات يوم بينها وبين ألبرت وهما شابان صغيران، لتستمر بعد رحيله بسنوات طويلة؟ ألم يكن المجنون يُقبِّل حجارة المنزل؟ هل كان يُقبِّل الحجارة، أم كان يقبل فيها روح ليلى؟ وشعراء العرب العظام الذين وقفوا على الدمن البالية، هل وقفوا على الأطلال لذاتها، أم لذكرى الحبيبة الراحلة؟ هل يمكن تفسير شغفنا بالدوران حول حجارة الأهرام وسد مأرب والمسارح الرومانية؟ أليست حجارة عادية لا تختلف عن حجارة السفوح والوديان، أم أننا نرى في هذه الحجارة «روح التاريخ»؟ إن التاريخ هو ذلك الساحر الذي يحول حجراً حقيراً إلى «معدن نبيل» عندما ينتظم ضمن بناء مسه الزمن بروحه، وحوله إلى حجر كريم. لهذا نذهب إلى الأهرام، ونزور المتاحف والخرائب التاريخية.


لماذا إذن لا نفهم الطواف حول الحجر الأسود على أنه ضرب من الدوران حول الروح، حول القلب، حول الأشواق العظيمة المتدفقة تدفق أفواج الحجيج في عرفات؟ لا أحد يحاكم الروح وفق معايير العقل المحدودة، لأن للروح أسرارها المتجلية، وتصرفاتها التي يصعب تفسيرها وفقاً لمعايير المنطق الجامدة. هكذا هو الحب لا يفسر، وهكذا هو الإيمان لا يعلل. إننا ونحن نسعى بين الصفا والمروة، لا نسعى بين جبلين مجردين وحسب، ولكننا نتذكر قصة انبثاق الحياة في «وادٍ غير ذي زرع»، نتذكر قصة انبعاث الروح في أمة من البدو لا يحكمها قانون، ولا تدين بدين، حتى أصبحت في أقل من مئة سنة ملء السمع والبصر.


إن الحج يمثل رحلة روحية خالصة، مهما بدا لنا أنه عبارة عن مجموعة من الحركات الجسدية المفرغة من المعاني. يبدأ الحاج حجه بالطواف سبعة أشواط حول مركز الكون، مركز الجسد، مركز الروح، هذا الدوران يهيئ العالم الجواني للإنسان، لتلقي «فيوضات الروح»، التي تندفع في المسعى بين الجبلين، متذكرة قصة إبراهيم وهاجر ونجلهما الصغير إسماعيل، الذي أشرف على الموت عطشاً وهو رضيع، ثم أشرف عليه ذبحاً وهو صبي، ونجا في المرتين بـ»معجزة» كما تذكر المدونات الدينية. هذه القصة تنفتح على رموز الأمل، ومقاومة اليأس، وتحدي الصعوبات، والالتحام بالقدر مهما كانت الصعوبات. إن إسماعيل الذي أوشك على الموت مرتين لم يمت، ولذا لا تبتئس إذا ظننت أن سبل الحياة انقطعت بك، فإن ما تراه سكيناً يوشك أن يحز رقبتك، ما هو إلا طوق نجاة يرفعك إلى مقام الخالدين، وما تراه سراباً بقيعة وأنت تموت من العطش، هو الماء الحقيقي الذي يرد لك الحياة. يلزمك فقط أن تفتح روحك للأمل، للإيمان، للطاقة الإيجابية الهائلة التي تأتيك من قبل السماء، والتي تكون مجاليها في عرصات الله، حول الكعبة، وبين الجبلين، وفي مِنى وعرفات ومزدلفة، وغيرها من الأماكن التي تعد رموزاً مكانية تنفتح لدى المسلم على مساحات روحية لا علاقة لها بالزمان، ولا بالمكان، إنها المساحات الشاسعة التي تنفتح على الجنة التي يتحدث القرآن عنها أنها بعرض السماء والأرض.


الحج شعيرة روحية خالصة، حتى وهو يُمارَس عن طريق الجسد، ذلك أن الروح تمارِس أشواقها باستعمال الجسد في كل مرة. عندما تنفعل أرواحنا تهتز الأجساد: عندما نطرب ترقص الأعضاء، عندما نحزن تدمع العين، وعندما نبتهج تتفتح القسمات. وفي عرفات يقف الحاج على الجبل الأجرد، عارياً إلا من قطعتين بيضاوين، هما القطعتان اللتان سيلتف بهما جسده وهو يغادر الدنيا. إنها قصة الرموز مرة أخرى، حيث يريد الحج من الجميع أن يكونوا في لحظة من التساوي في الملبس، دون تمايز على أساس مادي أو طبقي أو عرقي أو ثقافي، كما أن للون الأبيض رمزيته الخالصة التي تعكس معنى الحديث النبوي «من حج فلم يفسق ولم يرفث، رجع من حجه كيوم ولدته أمه». وكما يبدأ الحج بالطواف فإنه ينتهي بالطواف، لتكمل الروح دورانها حول محبوبها، حول قيمها، حول أشواقها الخالدة، في مكان تذوب كل الفوارق بين الموجودين فيه، ليلتحموا في مشهد مهيب يهتفون هتافاً واحداً لرب واحد وعلى صعيد واحد مرددين: لبيك اللهم لبيك».


ليو بولد فايس يهودي نمساوي، وسليل أسرة حاخامية عريقة، قضى سنواته حائرا، لا يجد أجوبة للأسئلة الفلسفية الكبرى حول الإنسان والإله والعالم، وظل معذب الروح إلى أن اكتشف «الطريق إلى مكة» حسب تعبيره، وحينها ذهب إلى هناك، مسلماً واتخذ اسم محمد أسد ليصبح أحد أكبر مفكري الإسلام في القرن العشرين. يقول أسد في كتابه «الطريق إلى مكة»: «لم أعد أسمع شيئاً سوى صوت «لبيك» في عقلي، ودويّ الدم وهديره في أذني، وتقدمت أطوف، وأصبحت جزءاً من سيل دائري، لقد أصبحت جزءاً من حركة في مدار، وتلاشت الدقائق… وهدأ الزمن نفسه… وكان هذا المكان محور العالم».


يموت أسد مسلماً، وهو الذي لقنته أسرته التوراة والتلمود، والكثير من التاريخ الإسرائيلي، ليحمل اسم الأسرة الحاخامية الشهيرة. ونقرأ له يقول: «جاءني الإسلام متسللاً كالنور إلى قلبي المظلم، ليبقى فيه إلى الأبد»، مضيفاً: «الذي جذبني إلى الإسلام هو ذلك البناء العظيم المتكامل المتناسق الذي لا يمكن وصفه، فالإسلام بناء تام الصنعة، وكل أجزائه قد صيغت ليُتمَّ بعضها بعضاً، ولا يزال الإسلام على الرغم من جميع العقبات التي خلّفها تأخر المسلمين أعظم قوة ناهضة بالهمم عرفها البشر، لذلك تجمّعت رغباتي حول مسألة بعثه من جديد».


من مكة بدأت رحلة نبي الإسلام التي امتدت إلى قرطبة وطشقند، ومن «مبادئ مكة» كذلك لابد أن يكون الانبعاث الجديد.

* من جريدة "القدس العربي"

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء